أحيانًا كل ما نحتاجه لنفهم ما لم نره ونحن في قلب المشهد

 

أحيانًا كل ما نحتاجه .. في خضمّ التفاصيل، وبين ضجيج المشاعر، وتسارع الأحداث نفقد أحيانًا قدرتنا على الرؤية الواضحة، نكون داخل المشهد أكثر مما ينبغي، منغمسين في اللحظة، فنرى كل شيء عبر انفعالنا لا عبر الحقيقة، هنا لا يكون الحل في المزيد من الاقتراب، بل في خطوة هادئة إلى الخلف لأتسأل، هل ابتعادك عنى ينقصني، أم أن يكمّل فهمي؟

الكاتبة/ زينب محمد شرف

الخطوة للخلف لا تُنقصنا جميعًا شيء، بل تمنحنا وعيًا نفتقده ونحن في قلب الشعور

الابتعاد المؤقّت لا يعني دائمً الهروب، بل هو مساحة وعي، وحين نبتعد قليلًا تتغيّر الزاوية، فتظهر الصورة كاملة بعد أن كانت مجزّأة، نفهم منها الدوافع بدل الاكتفاء بالنتائج، ونرى الأخطاء دون قسوة، والحقائق دون تبرير، فقط خطوة للخلف تمنحنا فرصة لنفصل بين ما نشعر به وما هو موجود فعلًا.

 

أليس في بعض المسافات ذكاء يحمي القلب من ارتباك البوصلة؟

كثير من العلاقات، والقرارات، وحتى الأزمات تتطلّب هذه المسافة الذكية، فالقلب حين يكون في عمق المشهد قد يُربك البوصلة، أما العقل حين يُمنح هدنة قصيرة، فيعيد ترتيب الأولويات لنكتشف أن بعض الأمور لم تكن بحجم ألمنا، وأن بعض الصمت كان أبلغ من ألف رد، وأن بعض الفهم جاء متأخرًا، لأننا كنا قريبين أكثر من اللازم، لذا نحتاج إلى هدنة قصيرة للعقل كي يعيد ترتيب ما بعثره الشعور.

وعندما أصبحت أريد أن أخرج من المشهد قليلاً، فهمت أن الخطوة للخلف تزيد نضجنا، وهي اعتراف بأن الرؤية الواضحة تحتاج أحيانًا إلى مسافة لتصبح أكثر وضوحًا، وأن الحكمة لا تولد دائمًا من المواجهة المباشرة، بل من التأمل الهادئ، وعندما نعود، نعود أخفّ، أهدأ، وأكثر قدرة على الفهم… لأننا أخيرًا رأينا ما لم نره من قبل، لذلك أصبحت اسال نفسي كثيرًا، كيف نميّز بين ما نشعر به وما هو واقع، ونحن في قلب المشهد؟

في تلك اللحظة، ظهر لي أن زاوية رؤيتنا هي ما يحدد واقعنا، لا نوايانا وحدها تكفى

نعم فى كثير من العلاقات والقرارات، لا يكون الخلل في نوايانا، بل في زاوية الرؤية، حين نكون في قلب المشهد تتشابك المشاعر وتعلو الأصوات الداخلية، فيصعب التمييز بين ما نشعر به، وما هو واقع فعلًا، القرب الشديد قد يُربك البوصلة، ويجعل التفاصيل أكبر من حجمها الحقيقي، فنحكم بعاطفة مثقلة لا بعين واعية، لتصبح المسافة المؤقّتة فعل وعي، ووسيلة لإعادة ترتيب الفهم لا قطعًا للعلاقة أو إنكارًا للمشاعر، لذلك كل ما نحتاجه ليس اندفاعًا للأمام، بل خطوة واحدة إلى الخلف.

الخطوة التي تمنحنا مساحة لنفسٍ أهدأ وبصيرة أوسع، لتتكامل الصورة التي كانت مبعثرة، ونكتشف أن بعض الألم لم يكن أعمق مما ظنّنا، وأن صمتًا أكثر صدقًا من ألف ردّ متسرع.

 القرب شديدًا يجعل الحقيقة تختنق

ومن هذا المنطلق، الفهم الذي تأخّر لم يتأخر دائمًا لغياب الحقيقة، بل لأن قربنا الشديد أعاق رؤيتها، وعندما نعود بعد المسافة نكون أخفّ وزنًا، أهدأ روحًا، وأكثر نضجًا… لأننا أخيرًا رأينا ما لم نره ونحن غارقون في قلب المشهد، وفي هذه المسافة لن نفقد المشاعر الحقيقية، بل نحرّرها من ارتباكها، فنستعيد لحظة الصدق مع أنفسنا ومع من حولنا، وختامًا أدركت مؤخرًا إني كنت احتاج بشدة خطوة للخلف لبداية نضج لم أكن أملكه من قبل.

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.