الزوجة الثانية تمرد على المألوف وفرصة أخيرة مغلفة بالشريعة الإلهية
الزوجة الثانية .. في الواقع وغالبًا مايفكر الرجل بالزواج الثانى، حين يستيقظ فى منتصف العمر، فيعيد نظرته إلى بيته وزوجته والشكل الإجتماعى، هنا يسيطر عليه الإحساس بأن الحلقات ناقصة، وأن الهدوء الظاهر هو هروب من المواجهة، وإدراك متأخر وليس نشوة، لكنه الرعب البارد المتسلل فى الخفاء الذي يهمس له: أن اختيارك الأول لم يستوفي الهدف ولم يغلق دائرة احتياجاتك، وماعشت له وبه لم يحضر، وأنك شاهدت الحياة دون أن تعيشها.
كتبت: دعاء علي

فرصة أخيرة
وهنا يأتي الزواج الثانى، ليصبح الفرصة الأخيرة كي تثبت لنفسك ولو سرًا، أنك لازالت على قيد الحياة ولم تمت، لذا فإن الزواج الثانى يولد بشكل غير طبيعي، وأحيانًا يكتب له أن يعيش في الخفاء.
أما معادلة الوعي المجتمعي الغير عادل والذي يرى الزوجة الثانية جملة غير مكتملة، ويتعامل معها على أنها خطأ مرئي لا يُحتمل وصورة مقززة غير مقبولة، وهذا يخالف الشرع جملة وتفصيلًا، حيث يحملها ذنوب الحروب والاحتلال، والتضخم الاقتصادي العالمي و و و و و و، ويصفها بأبشع العبارات وأحقر الصور مثل:
*خرابة البيوت مع إن البيت خربان من غيرها
*خطافة رجالة مع إن الراجل مش كيس جوافة يتخطف بل على العكس تمامًا فالرجل هو من يسعى إلى المرأة
*هادمة اللذات ومفرقة الجماعات، مع إن مافيش لذات أصلا من قبل ظهورها، وهكذا الواقع المرير لكراهية المجتمع للزوجة الثانية، فهو واقع مفتعل وليس طبيعي.

تمرد على الرتابة وكسر الملل
الزوجة الثانية تمثل تمردًا على الرتابة وكسر ملل الحياة وتغييرها فى الصورة الذهنية عن الإطار العام للعلاقات الزوجية، لدرجة أننا نسمع كلمات من الرجال والسيدات تعني أن الطلاق أو الزواج الثانى عيب، وجريمة أخلاقية فى أغلب العائلات المحافظة وأنها ليست من ثوابت العائلة وكثيرًا من هذا القبيل، وجميعها مبررات تتلخص في حقيقة واحدة، وهي أن هذه العقليات لا ترى فى الزواج إلتقاء روحين، بل يرون أنه إتفاق على تجاهل واقع مرير في بعض الأحيان، وإجبار أن نتعايش مع الأمر الواقع، لذا فهو يرى الملل فضيلة والقدرة على مواصلة المشوار احترامًا للأعراف والتقاليد المتمردة على الشرع.
خروج عن المألوف
ووفق هذه الرؤية، فالزوجة الثانية قد خرجت عن المألوف، وقررت أن تعيش نسخة مختلفة من الحياة، لذا فهي ستدخل فى صدام مع مجتمع يقدس الشكل ولا يعنيه الجوهر، قرر ان يعيش على إنكار الواقع، وغلفه بكلمات في الحقيقة ليست واقعية “كالبيت المستقر، الهاديء، الزوجة الراضية، الزوج الوفي المخلص”، وقد تكون هذه العبارات هي الرواية الرسمية عن العلاقة الزوجية، لذلك ينعت الزوجة الثانية بأبشع الصفات الأخلاقية.
فالمجتمع العربى إعتاد عدم مواجهة الحقيقة، والجينات العربية تعشق سياسة النعام ودفن الرؤوس فى الرمال، فبدلا من مواجهة الرجل والتفتيش عن الدوافع الحقيقية التى أجبرته على هجر عش الزوجية،
يختار المجتمع الطريق الأسهل أو الأضعف، وهو شيطنة المرأة على حدٍ سواء الزوجة الأولى مهملة والثانية خطافة رجالة، وسبب تلك الطرق المعوجة، أن المجتمع بفطرته ذكوري الإنتماء، فالرجل فى الوعي الجمعي رمزًا للسلطة، فهو شيخ قبيلة مصغر حدودها عائلته وأسرته الصغيرة، فحين يخطئ الرمز لا يحاسب بل يحميه المجتمع، ويلتمس له الأعذار.

تواطؤ مقنع بالأعراف
أما المرأة فى المخيلة العربية، مخلوق هش سهل كسره ولو بكلمة منذ قديم الآزل، لذا فالمجتمع ينظر إلى الزوجة الثانية بكل خبث وشك، فيلقى بحمل التبعات كلها عليها، ويتهمها باختطاف الرجل من أسرته، وكأن الرجل كيس جوافة بلا إرادة، ومبررات تبرئ الرجل بكلمات “نزوة أو لحظة ضعف عابرة أو لكل جواد كبوة أو الملل أو مسحور وداس على عمل أو محسود، إلى آخره من تلك الأعذار، حتى إذا استنفذت ولم يجد المجتمع ما يبرر للرجل، فإنهم يقلبون الطاولة على الزوجة الأولى أم العيال، بأن إهمالها هو من دفع زوجها للزواج بأخرى.
في الحقيقة القصة ماهي إلا تواطؤ ذكوري مقنع بالأعراف، ومجتمع يشيطن امرأة ليحافظ على إستقرار زائف وحياة فاشلة، فهذا المجتمع بلا أخلاق ولا وعي وبذلك يغلب الزنا والرزيلة على الشرع والدين، لأنه يخشى الحقيقة ومواجهة الأسباب، فيهرب تحت مصطلحات الخوف من الخراب، ويقدس الصورة الظاهرة للبيت أكثر مما يدور داخله من خراب، فظهور الزوجة الثانية في نظر المجتمع يحول دون مزاعم قدسية الحياة الزوجية المستقرة.

حملات مشبوهة لعصابات نسائية
أما الزوجة الأولى المنكوبة في نظرة المجتمع لها، فيأتي دورها في قيادة حملات مشبوهة تتزعمها عصابات نسائية، خلف ساتر مناصرة الزوجة المهجورة المظلومة، ولكن في الواقع تجد أنها غيرة نساء مغلفة بشعار الأخلاق،
ذلك لأن المجتمع زرع فى العقل الجمعي النسوي الخوف من الإستبدال والهجر، فجميعهن لن يدافعن عن حق الزوجة المظلومة في نظرهن، بل ينتصرن لأنفسهن إذا دارت عليهن الدائرة، لأن المجتمع علمهن أن قيمتهن فى الحفاظ على الرجل، لا فى إكتمالهن كإناث
والزوجة الأولى لا تتألم لأن الزوج أحب غيرها، بل تتألم لأنها اكتشفت أن وجودها لم يكن ضمان ودورها لم يكن كافيًا، بالإضافة إلى فكرة أنها أصبحت فى نظر المجتمع غير كافية ولها بديل، وهذه أفكار لا يتحملها إلا إنسان بنى قيمته على ذاته، لا على موقعه.
ومن هنا تصبح كل محاولة اقتراب أي امرأة للزوج ولو من بعيد، تهديدًا للزوجة الأولى لأنها لم تربى على الأمان، وكلما شعرت بتغيرات فى سلوك الرجل، يصيبها الهلع والرعب والقلق والخوف، ويتحول الخوف بمرور الوقت من الإهمال إلى صنم داخل النفوس فينتج أخلاقًا زائفة ودعاية كاذبة، تنعكس كلها سلبًا على الزوجة الثانية، فتقع عليها اللعنات وتوصمها بأقذر الصفات.
