انطلاق فعاليات الندوة الدولية الثانية لدار الإفتاء: «الفتوى وقضايا الواقع الإنساني»
انطلاق فعاليات الندوة الدولية الثانية لدار الإفتاء: «الفتوى وقضايا الواقع الإنساني»
✍️ بقلم: طه المكاوي
في عالمٍ تتسارع فيه الأزمات، وتتشابك التحديات الإنسانية من حروبٍ وصراعاتٍ وهويةٍ مهددة، تتقدّم الفتوى الرشيدة بوصفها أحد أعمدة الاستقرار وصيانة الوعي. ومن القاهرة، وتحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تنطلق رسالة فكرية وعلمية للعالم أجمع، عبر الندوة الدولية الثانية لدار الإفتاء المصرية، لتؤكد أن الفتوى ليست خطابًا جامدًا، بل عقلًا حيًّا يقرأ الواقع ويقوده نحو التوازن والرحمة.
رعاية رئاسية ودعم للدور العالمي للإفتاء
انطلقت صباح اليوم الإثنين فعاليات الندوة الدولية الثانية التي تنظمها الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم تحت مظلة دار الإفتاء المصرية، بعنوان:
«الفتوى وقضايا الواقع الإنساني: نحو اجتهاد رشيد يواكب التحديات المعاصرة»، وذلك على مدار يومي 15 و16 ديسمبر، بمشاركة واسعة من العلماء والمفتين من مختلف دول العالم، إلى جانب وزراء وكبار رجال الدولة المصرية، ونخبة من علماء الأزهر الشريف.
وتعكس الرعاية الرئاسية لهذا الحدث إيمان الدولة المصرية بدور الإفتاء المؤسسي في بناء الوعي، ودعم الاستقرار، ومواجهة الفكر المتطرف.
الفتوى بين النص والواقع: رؤية منهجية
أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عيّاد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، أن عنوان الندوة يجسد جوهر صناعة الفتوى، بوصفها عملية علمية راسخة تقوم على أصالة الدليل، واستحضار المقاصد، ومراعاة المآلات.
وأشار إلى أن المنهج القرآني في التعامل مع الواقع، المتجلي في نزول القرآن منجّمًا، يمثل نموذجًا فريدًا في مطابقة الخطاب لاحتياجات الناس، وهو ما يؤكد أن الفتوى لا تُلقى في فراغ، بل تُبنى على فهم عميق لتعقيدات الواقع.
الفتوى الرشيدة صمام أمان في زمن الأزمات
شدّد مفتي الجمهورية على أن الفتوى الرشيدة ليست رفاهية معرفية، بل مهمة إنقاذ في زمن التحولات المتسارعة، مؤكدًا أن العالم يعيش اضطرابًا إنسانيًا غير مسبوق، ما يضاعف مسؤولية الفتوى المؤسسية في حماية الإنسان وصيانة المجتمع.
وأوضح أن دار الإفتاء المصرية تبنّت منهجًا اجتهاديًا متوازنًا يربط بين الثوابت والمتغيرات، ويتعامل بوعي مع قضايا الأسرة، والتحولات الرقمية، وأسئلة الأخلاق والهوية.
الفتوى في مواجهة الأزمات العالمية
أبرز فضيلته دور دار الإفتاء في أوقات الطوارئ، مشيرًا إلى إعداد دليل إجرائي لفتاوى الأزمات، وتحويل الفتوى إلى أداة تدخل واقعية تدعم صناع القرار.
وضرب مثالًا بتجربة جائحة كورونا، حيث أسهمت الفتاوى المنضبطة في تهدئة المخاوف، ومنع الفوضى، وحفظ الأرواح، بما عكس نموذجًا متقدمًا للتكامل بين العلم الحديث والمقاصد الشرعية.
—
القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام
أكد مفتي الجمهورية أن دار الإفتاء المصرية تحملت مسؤوليتها تجاه القضية الفلسطينية عبر خطاب إفتائي مؤسسي راسخ، يرسّخ عدالة القضية ومشروعية حقوق الشعب الفلسطيني، ويفضح الجرائم والانتهاكات، ويواجه محاولات التهجير.
وأشار إلى أهمية ترشيد التضامن المشروع، ومنع الفتاوى الانفعالية التي قد تضر بالقضية، مع التأكيد على دعم الإغاثة والتطوع، وحفظ مقاصد الشريعة واستقرار المنطقة.
—
الفتوى الرقمية والهوية القيمية
لفت فضيلة المفتي إلى أن الفتوى الرقمية الرشيدة أصبحت ضرورة ملحّة في عصر العولمة الرقمية، ليس فقط باستخدام الوسائل التقنية، بل ببناء وعي نقدي يحمي الهوية القيمية، ويعزز التفكير المسؤول لدى الأجيال الجديدة.
وأكد أن الهوية القيمية ليست مجرد موروث، بل نسيج متكامل من القيم والمعارف والسلوكيات، يمكّن الإنسان من الانفتاح الواعي دون التفريط في الجذور.
وزير الأوقاف: الفقيه الحق يعي أحوال الناس
من جانبه، أكد الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، أن الفقيه الحقيقي لا يكتفي بالأحكام المجردة، بل يعي أحوال الناس وآثار الفتوى في حياتهم.
وأوضح أن صناعة الفتوى المعاصرة تتطلب الإحاطة بعلوم متعددة، وفهم العادات والواقع، مستشهدًا بمنهج الإمام الشافعي وكبار التابعين، الذين ربطوا بين النص والواقع، وجعلوا من مخالطة الناس مفتاحًا للفهم الفقهي الرشيد.
مبادرات ومشروعات إنسانية
تشهد الندوة إطلاق عدد من المبادرات الدولية والمشروعات التطبيقية، من بينها:
ميثاق الفتوى والكرامة الإنسانية
مدونة المعايير الإفتائية للتنمية المستدامة
منصة الفتوى من أجل الإنسانية
وهي مبادرات تهدف إلى تحويل الخطاب الإفتائي إلى قوة فاعلة في خدمة الإنسان والتنمية والاستقرار.
تعكس الندوة الدولية الثانية لدار الإفتاء المصرية لحظة وعي فارقة في مسار الخطاب الديني المعاصر؛ إذ تؤكد أن الفتوى ليست نصًا جامدًا ولا رأيًا معزولًا، بل أداة بناء حضاري، وصوت رحمة، وعقل حكمة، وميزان توازن بين الدين والواقع.
وفي ظل رعاية الدولة المصرية، وبمشاركة دولية واسعة، تتكرّس القاهرة مركزًا عالميًا للاجتهاد الرشيد، ورسالة مفادها أن الإسلام قادر على مواكبة العصر، وصون الإنسان، وبناء مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا.
