ثمن التقدم: انبعاثات صناعة الرقائق للذكاء الاصطناعي تقفز 4 أضعاف وتهدد المناخ

سباق الطاقة الخضراء: كيف تحارب “مايكروسوفت” من أجل مستقبل مستدام في معاقل الرقائق الآسيوية

كتب باهر رجب

في قلب طوكيو، وخلال منتدى “الابتكار من أجل الأرض الباردة”، كشف كين هيج، المدير الأول للشؤون الحكومية في “مايكروسوفت” باليابان، عن معركة خفية تدور رحاها في شرق آسيا. هذه المعركة ليست على حصة سوقية أو براءة اختراع، بل على مورد أصبح أثمن من الذهب في عصر الذكاء الاصطناعي: الكهرباء النظيفة.

صناعة الرقائق للذكاء الاصطناعي
صناعة الرقائق للذكاء الاصطناعي

كما صرح هيج بأن الشركة تتنافس على “حصة صغيرة للغاية من الطاقة المتجددة المتاحة اليوم” في تايوان وكوريا الجنوبية واليابان. كما تعد هذه الدول معاقل عالمية لصناعة أشباه الموصلات، وهي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها مراكز البيانات الضخمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي المتسارعة التي تقودها “مايكروسوفت” وشركات التكنولوجيا العملاقة الأخرى.

 

هذا التحدي يأتي في لحظة حرجة. فقد كشف التقرير السنوي للاستدامة لعام ٢٠٢٥ أن إجمالي التأثير المناخي لـ”مايكروسوفت” ارتفع بنسبة ٢٣٪ منذ عام ٢٠٢٠، وذلك على الرغم من هدفها الطموح بأن تصبح خالية من الكربون بحلول عام ٢٠٣٠. ووفقا لمنظمة “جرينبيس”، فقد تضاعفت الانبعاثات الناتجة عن إنتاج أشباه الموصلات التي تدعم خدمات الذكاء الاصطناعي أكثر من أربع مرات خلال عام ٢٠٢٤ وحده.

 

تحدي “الكعكة الصغيرة”: شح الكهرباء الخضراء في آسيا

تواجه “مايكروسوفت” معضلة نموذجية في المنطقة. فمن ناحية، يتوقع أن تقود منطقة آسيا والمحيط الهادئ ثلثي النمو في الطلب العالمي على الكهرباء حتى عام ٢٠٣٠. ومن ناحية أخرى، لا تزال شبكات الكهرباء في مراكز التصنيع الرئيسية مثل تايوان وكوريا الجنوبية واليابان معتمدة بشكل كبير على الوقود الأحفوري، مع بطء ملحوظ في وتيرة التحول نحو الطاقة المتجددة.

 

هذا الخلل بين الطلب المتصاعد والعرض المحدود يخلق سوقا تنافسية شرسة. فشركات التكنولوجيا ليست الوحيدة في هذا السباق. بل تتنافس أيضا مع مورديها الأساسيين من شركات تصنيع الرقائق، والتي تواجه بدورها ضغوطا متزايدة من عملائها حول العالم للحد من بصمتها الكربونية. ويوضح كين هيج طبيعة المشكلة بقوله: “نحتاج إلى أن يتجه موردونا أيضا نحو استخدام طاقة خالية تماما من الكربون”.

 

عبء غير مرئي: انبعاثات “النطاق الثالث” وأشباه الموصلات

كما يشكل التصنيع في سلسلة التوريد، وخاصة صناعة الرقائق، العبء الأكبر في معركة “مايكروسوفت” المناخية. حيث تمثل انبعاثات النطاق الثالث (Scope 3) – وهي الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن سلسلة القيمة للشركة – أكثر من 97٪ من إجمالي البصمة الكربونية للشركة. وكذلك تأتي حصة كبيرة من هذه الانبعاثات تحديدا من عمليات تصنيع أشباه الموصلات في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان.

 

كذلك تكشف البيانات عن السبب الكامن وراء هذه النسبة المرتفعة. فقد نما استهلاك الطاقة في صناعة الرقائق العالمية بأكثر من الضعف بين عامي ٢٠١٥ و٢٠٢٣، من ٥٨,٣٢٦ جيجا واط/ساعة إلى ١٣١,٢٧٨ جيجا واط/ساعة. و الأكثر إثارة للقلق هو أن انبعاثات النطاق الثالث لصناعة الرقائق تضاعفت سبع مرات في الفترة ذاتها، من ١١.٧ مليون طن إلى ٨٧.٤ مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.

 

كما تعتبر مواد مثل الكيماويات و الرقائق  والغازات هي المصادر الثلاثة الرئيسية لهذه الانبعاثات في مرافق التصنيع، حيث تمثل حوالي ٦٢٪ من إجمالي الانبعاثات في سلسلة التوريد لأشباه الموصلات. تكمن المفارقة في أن الطبيعة عالية التخصص لهذه الصناعة تساهم في المشكلة. فإنتاج مواد بدرجة نقاء “شبه موصل” يتطلب طاقة أكبر بكثير من إنتاج المواد العادية ذات الدرجة التجارية.

 

خطة متعددة المحاور: ما تفعله “مايكروسوفت” على الأرض

لمواجهة هذا التحدي المعقد، تتبنى “مايكروسوفت” استراتيجية شاملة لا تعتمد فقط على الشراء، بل على خلق سوق جديدة وتعزيز السياسات الداعمة:

خلق سوق للطاقة النظيفة

على مستوى العالم، تعاقدت “مايكروسوفت” على أكثر من ٣٤ جيجا واط من الكهرباء الخالية من الكربون عبر ٢٤ دولة، بما في ذلك ١٩ جيجا واط في عام ٢٠٢٤ وحده. في آسيا، تترجم هذه الجهود إلى مشاريع مثل اتفاقية شراء الطاقة الافتراضية لمدة ٢٠ عاما مع “شيزن إنرجي” في اليابان، ومحفظة للطاقة الشمسية على الأسطح في سنغافورة.

 

الضغط من أجل سياسات داعمة

تعمل الشركة بشكل وثيق مع الحكومات والشركاء الصناعيين لإزالة العوائق التنظيمية. في كوريا الجنوبية، ساهمت جهودها التعاونية في إقرار “القانون الخاص بتوسيع شبكة الكهرباء الوطنية” في فبراير ٢٠٢٥، والذي يهدف إلى تعزيز نظام النقل الكهربائي وتمكين دمج المزيد من الطاقة المتجددة.

 

الاستثمار في الحلول المبتكرة

من خلال “صندوق الابتكار المناخي”، تستثمر “مايكروسوفت” في نماذج تمويلية تسرع انتشار الطاقة النظيفة. في آسيا، يشمل ذلك استثمارات في شركات مثل “إيفرسورس كابيتال”، التي حشدت ملياري دولار وتجنبت ١٣.٤ مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

 

معالجة تحديات الموارد الأخرى

تدرك “مايكروسوفت” أن التحدي لا يقتصر على الكربون. فهي تتعامل مع الإجهاد المائي من خلال شراكات في ماليزيا والهند لتحصين مياه الأمطار وتقديم مياه صالحة للشرب. كما تدفع نحو الاقتصاد الدائري من خلال مركز في سنغافور يعيد استخدام وتدوير الخوادم والمكونات الإلكترونية القديمة.

 

الذكاء الاصطناعي: المحرك و المحفز

تقف “مايكروسوفت” عند مفترق طرق فريد. فمن ناحية، يعد التوسع السريع في خدمات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات المحرك الرئيسي لزيادة استهلاكها للطاقة و انبعاثاتها. ومن ناحية أخرى، ترى الشركة في الذكاء الاصطناعي نفسه أداة حاسمة لإزالة الكربون.

تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أنه يمكن للذكاء الاصطناعي،في حال نشرها بفعالية، المساعدة في تحقيق تخفيضات صافية في الانبعاثات العالمية تصل إلى ثلاثة أضعاف الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن مراكز البيانات في جميع أنحاء العالم. وتعمل “مايكروسوفت” مع شركاء الطاقة في آسيا لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل:

 

التنبؤ الدقيق بإنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتحسين موثوقية الشبكات.

تحسين استخدام أصول النقل الحالية للسماح بتوصيل المزيد من الطاقة النظيفة دون انتظار بناء خطوط جديدة.

تسريع عمليات التصريح لمشاريع الطاقة المتجددة، والتي تعد من أكبر العوائق التنموية.

 

التحديات والطريق إلى الأمام

رغم هذه الجهود، يبقى الطريق نحو تحقيق هدف ٢٠٣٠ شاقا. تؤكد “مايكروسوفت” في تقرير الاستدامة لعام ٢٠٢٤ أنها. “ليست على المسار الصحيح” فيما يتعلق بخفض انبعاثات النطاق الثالث واستهلاك المياه. وقد أطلقت مبادرة على مستوى الشركة شملت أكثر من ٨٠ إجراء لمعالجة هذه الفجوة. بما في ذلك اشتراط أن يستخدم موردوها الرئيسيون طاقة خالية من الكربون بنسبة ١٠٠٪ بحلول ٢٠٣٠.

 

تكشف تجربة “مايكروسوفت” في آسيا عن حقيقة أوسع. لا يمكن فصل مستقبل الابتكار التكنولوجي عن استدامة البنية التحتية الصناعية التي تدعمه. يعتمد تحقيق أهداف المناخ الطموحة على أكثر من مجرد نوايا حسنة للشركات. فهو يتطلب تعاونا غير مسبوق عبر سلسلة القيمة بأكملها. واستثمارات ضخمة في تحديث الشبكات. وسياسات حكومية داعمة تخلق الظروف المناسبة للتحول.

 

يقول كين هيج: “نعمل مع شركائنا الصناعيين ضمن تحالفات لمستهلكي الطاقة تهدف إلى توسيع خيارات الطاقة المتجددة في آسيا”. في هذه العبارة تكمن خلاصة التحدي والفرصة. ففي السباق العالمي على الكهرباء الخضراء في معاقل صناعة الرقائق. لا يكفي أن تكون المنافسة. يجب أن يكون التعاون هو السبيل الوحيد إلى الفوز.

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.