شهر رمضان المبارك بين كلمات التقوى وأعمال الصالحات

شهر رمضان المبارك بين كلمات التقوى وأعمال الصالحات

 

بقلم د. رحاب أبو العزم

 

شهر رمضان المبارك ..مع إطلالة مبهجة للقلوب، مضيئة للطرق هادية للبصائر تهل علينا النفحات الرمضانية بآمال في الهداية وآمال في القبول وآمال في الرحمات والمغفرة، يأتي الشهر المبارك ليُوقِظ القلوب من شبح الغفلة كي يُمتحن الصدق ولا يمتحن الامتناع فكم من صائمٍ أمسك فمه وأفطر قلبه على ما يُطفئ نور التزكية.

رمضان و فقه التزكية قبل فقه الإمساك

إن صيام الشهر المبارك لم يُفرض على الأمة المحمدية لتدريب المسلم على الجوع والعطش ولا لإتقان عدّ الساعات حتى آذان المغرب بل فُرض ليُعيد الإنسان إلى إنسانيته الأولى

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

فالغاية لم تكن الصيام ذاته،

بل ما يُفضي إليه الصيام من التقوى التي تؤثر على المَلَكة الأخلاقية والسلوك فتسير بهما إلى الديمومة غير المنقطعة

الصيام عبادة مقاصدية لا طقوسية

وفي الفقه الإسلامي تُعرف العبادات بمقاصدها ولا تُفهم صحيحةً إلا بتحقيق غاياتها؛ فصيام اليوم الواحد الذي ينتهي بانتهاء ساعاته فحسب، ولا يترك أثرًا في اللسان ولا في القلب قد تحققت صورته لكن ضاعت روحه وابتُعِد عن مقصده

قال ﷺ:

«ربَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»

وهذا الحديث لا ينقض صحة الصيام في صورته الفقهية إنما يكشف خواره تزكيةً وأثرًا.

تزكية النفس و المعنى الغائب في خطاب الصيام

إن تزكية النفس ليست مفهومًا صوفيًا منفصلًا عن الشريعة، بل هي جوهرها العميق.

قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾

ورمضان المبارك هو الموسم الأعظم لهذه التزكية؛ لأن الصيام يضع الإنسان في حالة انكشاف؛ انكشاف أمام ضعفه البشري، وأمام عاداته اليومية، وأمام رغباته الجسدية حين تُمنع. إن الصيام لا يمنع الشهوة، ولا يميت الرغبة بل يُخضعها للإيمان والعقل.

فقه الجوع وتهذيب الصيام للنفس

فالجوع والعطش في الشهر المبارك ليس غاية، بل وسيلة تربوية تقوي سلطة الضمير على تقليص المباح لتتسع مساحة المراقبة؛ لذلك كان الصيام عبادة خفية لا يطّلع على صدقها إلا الله، وهنا تبدأ التزكية؛ حين يكون الامتناع اختيارًا لا رقابة، ولذلك لم يجعل الشرع الإمساك عن الطعام وحده معيار الصيام، بل قرنه بالإمساك عن الأذى. قال ﷺ: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب…»

فالحكم الفقهي هنا لا يتحدث عن مبطلٍ للصيام، بل عن مفسدٍ لثمرته؛

فالغيبة لا تُفطر فقهًيا، لكنها تُفسد مقصد الصيام، والشتم والسب لا يُبطلان العبادة، لكن كل منهما ينقض تزكيتها.

وهنا يتجاوز الصيام كونه عبادة فردية ليصير سلوكًا اجتماعيًا وأخلاقيًا يستمد روحه من القرآن الكريم

القرآن في رمضان و تزكية الفهم قبل كثرة التلاوة

إن نزول القرآن الكريم في رمضان المبارك لم يكن توافقًا زمنيًا عابرًا، بل هو اجتماع مقاصدي بين قيمة كتاب الله وقدر الشهر الزمني فالقرآن يُزكّي كما يُعلّم، ويُصلح القلب قبل أن ينطقه اللسان،

والقراءة التي لا تُحدث وعيًا،

ولا تُربك القناعات الفاسدة،

ولا تُراجع السلوك فتضبطه

هي مجرد قراءة أجر و ليست قراءة تزكية.

رمضان والنتيجة الحقيقية

إن أغلب المسلمين يهتمون بالسؤال عن صحة صيام الشهر فقهيًا ويهملون السؤال الإيماني الأعمق:

هل خرجنا من رمضان مقبول صيامنا القبول المقاصدي التعبدي

هل اقتربنا من تزكية النفس؟

هل سارت قلوبنا إلى التراحم هل انضبطتت النفس ومتطلباتها؟ هل استحيينا من الله؟

فمن لم يزكِّه الصيام، فلن تزكّيه كثرة النوافل.

العبرة بتزكية النفس وليس بصيام الجسد

لأن رمضان المبارك ليس اختبار جوع، بل امتحان صدق، ومن فقه الصيام أن يُثمر تزكية نستديم عليها، ومن فقه العبادة أن تغيّر صاحبها للأعلى، فإذا انقضى الشهر وبقي القلب كما كان، فلنعلم أن الجسد قد صام، لكن النفس لم تلمح رمضان بعد.

وسؤالي لكل مسلم هل سيأتي علينا رمضان التزكية وليس رمضان الجوع والعطش؟ هل سنعيش في يوم ما شهرنا المبارك وقد تربت الروح وانتعشت لبارئها بعيدا عن المسلسلات والأفلام والبرامج التافهة التي لا تليق بقدسية الشهر المبارك؟ هل سنحيا رمضان بحياة الوفاء والنقاء بعيدا عن الخداعات والرياء؟ هل ستتزكى النفوس من سقطاتها وتنقى القلوب من أحقادها وتعلو الأرواح عن سفاسف أمورها؟

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.