فن التجرد… معركة الإنسان مع نفسه قبل كل شيء..

هناك معارك يخوضها الإنسان مع الآخرين، ومعارك أخرى يواجه فيها الزمن والظروف، لكن أصعبها و أعمقها هى تلك المعركة التى يخوضها مع نفسه. فالنفس ليست خصما يسهل الانتصار عليه، بل هى كيان يتشكل وفق الهوى، وقد يجر صاحبه – إن غفل عن ضبطه – إلى طرق لا تشبهه ولا تعبر عما يؤمن به. وفي زمن اختلطت فيه الأصوات و تداخلت المعلومات و بهتت الحقائق، يصبح التجرد فضيلة نادرة و ملاذا آمنا.

التجرد فى جوهره ليس تعاليا على الذات ولا انفصالًا عنها، بل هو قدرة على النظر إلى الأمور بلا توقعات مسبقة أو رغبة تُحرّف الفكرة عن أصلها. فالأهواء تُزيّن الباطل وتخفى الحقيقة، وتجعل الإنسان أسيرًا لانحيازات لا يشعر بها.

التجرد عبر التاريخ: انتصارات العقل على الأهواء

من يتأمل مسار الفكر الإنسانى يدرك أن أعظم العلماء والمصلحين لم يصلوا إلى إنجازاتهم إلا بعدما تغلّبوا على أهوائهم. فالعقل لا يتّسع للحكمة ما لم يتحرر، والروح لا تسمو إلا إذا تخلّت عن غرورها. حتى صُنّاع القرار عبر التاريخ كانوا يعلمون أن أخطر الأخطاء تبدأ حين يختلط الحكم بالهوى، وأن أكثر المظالم اندلعت لأن صاحبها رأى بعين واحدة.

التجرّد يتطلّب مواجهة الذات بلا رتوش، وطرح أسئلة قد تكون قاسية: هل أدفع عن الحق؟ أم أنتصر لرأيى؟ هل أبحث عن الحقيقة؟ أم أبحث عمّا يبرّر ما أؤمن به؟ هذه الأسئلة لا تُريح النفس لكنها تنقذ صاحبها من أسر الهوى.

التجرّد لا يُصنع بالكلام بل بالسلوك. فالمتجرّد لا يعلن تجرده، بل يظهر ذلك فى أحكامه وطريقة تعامله مع الأحداث. لا يتسرع، ولا يقفز إلى النتائج، ولا يسمح لهواه أن يمسك بالمقود. يعرف أن رأيه قد يخدعه، وأن الاقتناع قد يضمّ فى ظله شيئًا من الهوى.

وفى حياتنا اليومية نرى كيف تقود الانحيازات إلى خلافات وقطيعة، وكيف يجعل الهوى الإنسان يرى نصف الحقيقة فقط. لو كان الناس أكثر تجرّدًا، لصار النقاش بابًا للفهم لا ساحة للصراع. فالتجرّد يمنح الإنسان قدرة على النظر العادل، وعلى التحرر من الانفعال اللحظى، وعلى الاقتراب من السكينة.

التجرد… طريق النضج والرؤية الواضحة

حين يتجرّد الإنسان، يصبح أكثر إنصافًا فى حكمه على الآخرين، وأكثر صدقًا مع نفسه. يدرك أن النجاح ليس نتاج ذكائه وحده، وأن الخطأ ليس دائمًا خارجًا عنه. كما يعلم أن المشاعر ليست عدوًا، لكنها ليست البوصلة أيضًا.

فى عالم يمتلئ بالضجيج والانحيازات، نحن بحاجة إلى عقول متجرّدة أكثر من أى وقت مضى؛ عقول ترى الأمور كما هى، لا كما ترغب أن تراها. فالتجرّد قوة ونضج ووضوح، وهو الطريق الوحيد الذى يقود إلى حكم راشد وضمير مرتاح ونور الحقيقة.

كاتبه المقال :إيمان سامي عباس

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.