موسى والديهي والعلوج الأمريكان .. بقلم / د: محمد عزيز

موسى والديهي والعلوج الأمريكان

بقلم / دكتور: محمد عزيز

اعترف بأنني كنت من الشغوفين بسماع محمد سعيد الصحّاف، وزير إعلام صدام حسين، الذي كنت أنتظر تصريحاته بلهفة كأي عربي إبّان العدوان الأمريكي على العراق. كان الرجل مهنياً بارزاً، حاشداً للهمم، ضليعاً باللغة العربية، يختار كلماته بعناية، ويبتكر مصطلحات علقت في الذاكرة. اخترع وصفاً للأوغاد الأمريكان، فكان يطلق عليهم “العلوج الأمريكان”، ذلك التعبير الذي لم يجد له المترجمون سبيلاً إلى الإنجليزية. ورغم غرابته، إلا أنه استقر في الوجدان العربي، وأصبحنا ننتظر بشغف تصريحاته عن انتحار “العلوج” على أسوار بغداد.
بالطبع، أتفهّم أن من حق كل نظام سياسي أن تكون له أذرع إعلامية تناصره وتروّج له. فقد استعان جمال عبد الناصر بالإذاعي أحمد سعيد، صاحب البيانات الكذوبة إبان النكسة، حتى اضطر المصريون وقتها للهرب إلى “راديو مونت كارلو” طلباً لجرعة من الحقيقة. ورغم المبالغة والكذب، كان كلٌّ من الصحاف وسعيد إعلاميين حقيقيين، يمتلكان أدوات ومهارات، ولديهما حضور يمنح بعض الخطاب زخماً وتأثيراً.
أما في مصر اليوم، فقد آثر النظام أن يضع مصيره الإعلامي في أيدي أحمد موسى ونشأت الديهي ومعهم شلة من الكائنات الشاشة، كالباز وبكري وغيرهم. وجوه كريهة قبيحة ملّها الشارع المصري ولفظها لفظ النواة. هؤلاء ليسوا إعلاميين بالمعنى المهني، بل مجرّد ميكروفونات صاخبة بلا مضمون، لا يجيدون سوى رفع عقيرتهم بالصوت العالي، والتخوين، والاتهام، وكأن الوطنية تقاس بمقدار ما تصرخ على الهواء.
إن استعانة النظام بمثل هؤلاء ما هي إلا سقطة كبيرة. فالإعلام في زمن الأزمات ليس ترديداً لشعارات جوفاء، ولا توزيعاً لتهم “الخيانة والعمالة” على الشعب كل مساء، بل هو صناعة ووعي ورسالة لها منطق وسياق. لكن ما نراه على شاشات مصر لا يزيد عن “كوميديا سوداء”؛ مشاهد مكرورة، وعبارات محفوظة، و”استظراف ثقيل” لا يقنع طفلاً في الابتدائية.
لقد كان الصحاف يضحكنا رغم الكارثة، وأحمد سعيد يبكينا رغم الكذب، لكن موسى والديهي ومن على شاكلتهما لا يضحكون ولا يبكون، بل يثيرون الغثيان. ويكفي أن تذكر أسماءهم حتى ترى الوجوه تنقبض، والقلوب تنصرف، والريموت يفرّ هارباً إلى قنوات الطهي أو أفلام الأبيض والأسود.
فليسمح لي النظام أن أقول: أنتم لم تأتوا بـ”إعلاميين”، بل جئتم بعلوج جدد، علوج محليين، لا يسقطون على أسوار بغداد، بل يسقطون كل مساء على شاشاتنا، سقوطاً مدوّياً يثير الشفقة والسخرية معاً..
قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.