أحلام تخنقها التقييمات: الطلاب يبكون والمنظومة تصم الآذان

أحلام تخنقها التقييمات: الطلاب يبكون والمنظومة تصم الآذان

في ظل صمت الأقلام وصراخ الطلاب.. يتحول التعليم في مصر إلى ساحة معركة لا هوادة فيها.. تقييمات مستمرة تنهك عقول الصغار.. ومناهج عقيمة تخنق الفضول.. وأنشطة تجردهم من أبسط حق “حق التعليم بلا خوف” الطفل الذي كان بالأمس يلعب ويكتشف.. أصبح اليوم أسيراً لرقم في دفتر التقييمات..

بقلم / عزة الفشني

هل هذا هو مستقبلنا؟ هل نقبل أن تصنع الأجيال القادمة من شغف محطّم وأحلام منهوبة؟

 

من المؤكد أن التعليم في مصر يواجه تحديات جسيمة لم تعد تقتصر على ضعف المناهج أو نقص الإمكانيات فقط.. بل امتدت لتطال الطلاب أنفسهم.. الطالب الذي يفترض أن يكون محور العملية التعليمية أصبح يعاني من ضغوط غير مسبوقة. التقييمات المستمرة.. الأنشطة المدرسية المرهقة.. والمناهج العقيمة.. كلها عوامل تسببت في تحويل المدارس إلى ساحات معركة بدلاً من بيئات تعليمية محفزة.. من خلال هذا المقال سأحاول جاهدة تسليط الضوء على معاناة الطلاب وأولياء الأمور.. وتوجيه الدعوة للمسئولين وعلى رأسهم وزير التربية والتعليم لإصلاح شامل يعيد للتعليم روحه المفقودة.

التقييمات: هل هي ضرورة أم إرهاق؟

أصبحت التقييمات الأسبوعية سمة أساسية في المدارس المصرية.. دون مراعاة لظروف الطلاب أو قدراتهم.. طالب المرحلة الإبتدائية الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره يُطلب منه أداء اختبارات كل أسبوع دون توقف.. تقول إحدى الأمهات.. بنتي تذهب للمدرسة وهي تملك هموم الدنيا كلها ثم تعود منهكة تبكي لأنها لم تكمل واجبها.. وتضطر للسهر ليلاً لتلحق بالأنشطة المطلوبة.. هذا الوضع لا يصنع متعلمين.. بل ينتج أطفالاً يعانون من القلق والاكتئاب.

المشكلة الأكبر أن التقييمات تجرى دون مراعاة لشرح المنهج. المدرس يكتفي بقراءة الدرس من الكتاب.. ثم يطلب التدريبات.. فلا وقت لديه للشرح أو التفاعل.. والنتيجة لجوء الطلاب للدروس الخصوصية وبالتالى تزداد الفجوة بين التعليم الحكومي والخاص.

المناهج: تراكم عقيم دون فهم

لذا نجد أن المناهج الدراسية الحالية تعاني من الاكتظاظ والتعقيد محتواها لا يتناسب مع عمر الطلاب ولا يراعي الفروق الفردية.. طالب الصف الثالث الابتدائي يدرس مواد تفوق قدراته الذهنية.. وبدلاً من تعليم القراءة والكتابة.. يحمل الطالب معلومات لا يستوعبها.. هذا يقتل الفضول ويشعر الطفل بالعجز.
بالإضافة إلى الأنشطة المدرسية.. التي كان الهدف منها تنمية المهارات تحولت إلى عبء.. الطلاب يجبرون على المشاركة في مسابقات لا تناسبهم.. أو إعداد مشروعات تتطلب وقتاً وجهداً إضافيين.. إذن هذه الأنشطة تزيد الضغط دون تحقيق أهدافها.

كان من الأجدر أن يتم تدريب التلميذ على مهارات عملية مثل الصناعة.. الزراعة.. التجارة وإعادة تدوير النفايات – بدلاً من تقييمات عقيمة ترهب الطفل.. إنشاء مدارس لكل مهنة سينتج جيلاً من الكوادر.. ويرتقي بالتعليم.. لكن فرض صفر على الطالب الغائب لظروف قهرية.. وضغط المناهج.. واكتظاظها ينفر الطفل من المدرسة ويدمر نفسيته.. أين نجاح “الخطة التعليمية التي طبقت العام الماضي؟ هل التطوير يعني إمتحانات أسبوعية ومناهج مكدسة؟ الوزير لا يسمع صراخ الطالب المظلوم.. ولا يرى العبء الملقى على كاهل الأهل (مدرسة + دروس خصوصية). الطفل في الصف الرابع يدرس 10 وحدات، كل وحدة بـ5 دروس – هل هذا منطقي؟ التعليم صار بلا هدف.. والطالب ينهي الإبتدائية مثقلاً بالهموم.. إذن الحل: تقليل التقييمات (يوم أو يومين أسبوعياً). – إلى جانب تطوير المناهج لتناسب عقلية الطفل. – والتركيز على المهارات العملية، لا الحفظ. – أيضاً تخفيف الضغط عن المدرسين. – والإستماع لأولياء الأمور والطلاب.. الطفل ليس “رقماً في إحصائية” بل مستقبل وطن.. فلماذا التعقيد إذاً؟ فالتعليم ليس سباقاً بل بناء عقول.

– الحل نحو نظام تعليمي متوازن

لا بد من إصلاح شامل يضع الطالب في المقام الأول.. يجب تخفيف المناهج لتصبح ملائمة لعمر الطلاب.. وتقليل التقييمات إلى مرتين بالفصل الدراسي.. تدريب المعلمين على أساليب الشرح الحديثة ضرورة.. كما يجب توفير بيئة تعليمية محفزة تشجع على الإبداع.. إشراك الأهل في العملية التعليمية دون ضغط أمر حيوي.. وتفعيل دور الأخصائيين النفسيين بالمدارس يخفف من معاناة الطلاب.

الختام: في لحظة واحدة قد تغير قلماً مكسوراً مسار وطن.. لذا لن نسمح للمناهج أن تخنق أحلام أبناءنا.. ولن نترك التقييمات تطفئ شغفهم.. فالتعليم ليس ورقة امتحان بل حياة تُبنى. اليوم إما أن نُخرج مبدعين.. أو ننجب غير مبالين.. فلنختار مستقبل يصنعونه أم ضياع جيل بأكمله

لن يبقى الصمت أبداً.. غداً سيكبر هؤلاء الطلاب وسيحملون مشاعل التغيير.. إما أن نبني لهم مدارس تعيد لهم البسمة.. أو نبني لهم سجوناً تغلق أبواب الأمل.. فالطالب ليس آلة تقييم. إنه طفل يحتاج للعب والاكتشاف إذا استمر الوضع الحالي سنفقد جيلاً من المتعلمين.. ونصنع أجيالاً منهكة نفسياً. فلنتكاتف جميعاً حكومة وأولياء أمور ومعلمين لإصلاح منظومة التعليم قبل فوات الأوان.

القرار بيدنا اليوم: إصلاح أم ضياع؟ إن لم يتحرر التعليم من قيود التقييمات والمناهج العقيمة.. فلن يبقى لدينا إلا جيل محطم يورثنا الخيبة.. فهل نستمع لصوت الطلاب قبل أن يصمتوا للأبد؟

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.