أحلام مشبكة.. حين تصبح الفنون الأدائية مساحة حقيقية للدمج واكتشاف الإنسان
أحلام مشبكة.. حين تصبح الفنون الأدائية مساحة حقيقية للدمج واكتشاف الإنسان
✍️ بقلم: طه المكاوي
منذ بدايات المسرح، لم يكن الجسد مجرد أداة للحركة، بل لغة كاملة قادرة على التعبير عن الفرح والألم، والقوة والهشاشة. ومع تطور الفنون الأدائية عالميًا، بدأت فكرة الفن الدامج تفرض نفسها، لا بوصفها فعل تعاطف أو شفقة، بل باعتبارها رؤية فنية وإنسانية تعترف بالاختلاف، وتحوّله إلى طاقة إبداعية قادرة على إعادة تعريف الجمال والمعنى.

وفي هذا الإطار، لم يعد الدمج شعارًا أو ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة تفتح المجال أمام أشكال جديدة من التعبير، حيث تتجاور الأجساد المختلفة والخبرات المتباينة، ليخرج إلى النور فن صادق يشبه الناس كما هم، لا كما يُراد لهم أن يكونوا.
ضمن هذا السياق، جاء برنامج «أحلام مشبكة للفنون الأدائية الدامجة»، الذي انطلق في ديسمبر 2024، كمشروع فني وإنساني يسعى إلى دمج الفنون الأدائية مع قضايا الإنسان اليومية. وخلال رحلته، نجح البرنامج في تقديم عرضين مسرحيين، كان لهما أثر واضح في تنمية مهارات المشاركين، الذين ضموا إلى جانب المصريين مشاركين من فلسطين والسودان، ليصبح المشروع مساحة عابرة للحدود، ومتشابكة بالتجارب والقصص الإنسانية.
وخلال اللقاء، قدمت الصحفية مادلين نادر فريق «أحلام مشبكة»، مستعرضة فكرة البرنامج وأهدافه، مؤكدة أنها تتابع خطواته منذ أن كان مجرد حلم، حتى تحوّل إلى تجربة ملموسة على خشبة المسرح.
وفي كلمتها، أعربت الفنانة رشا إرنست، مؤسسة برنامج «أحلام مشبكة للفنون الأدائية الدامجة»، والمحاضر الدائم بجامعة القاهرة، عن سعادتها بالعودة إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب بعد غياب عامين، موجهة الشكر لإدارة المعرض على احتضانها للمشروع. وأوضحت أنها خلال سنوات عملها مع الأشخاص ذوي الإعاقة لاحظت أن كثيرًا من التجارب تبدأ بنوايا طيبة، لكنها تفتقر أحيانًا إلى رؤية فنية حقيقية، وهو ما سعت لتجاوزه عبر «أحلام مشبكة».
وشهدت بداية الاحتفالية تقديم عرض بعنوان «إنسانولوجي»، وهو إنتاج جماعي لفريق «أحلام مشبكة»، اعتمد على مواقف حقيقية مر بها المشاركون، مثل مشهد الحفرة وكيف يتخطاها مستخدم الكرسي المتحرك، أو مشهد المواصلات العامة، في لوحات مسرحية بسيطة وصادقة، وضعت المتفرج في مواجهة مباشرة مع الواقع، دون تجميل أو افتعال.
وأكدت رشا إرنست أن العرض في جوهره يمثل مواجهة حقيقية للتحديات التي يواجهها متحدو الإعاقة، بما في ذلك فكرة المنافسة، التي يظن البعض أن أصحاب الإعاقة غير قادرين عليها. وشددت على أن «أحلام مشبكة» قائم على فكرة المساحة الحرة للإبداع، حيث يتيح الفن للإنسان اكتشاف ذاته، ويقدم نموذجًا واقعيًا وحقيقيًا للدمج.
وأوضحت أنها بدأت المشروع مع شريكتها المسرحية ريهام رمزي، ومع انطلاق التجربة قررتا إدماج الإعاقة الحركية، لتفاجآ بتقدم 153 شخصًا للانضمام إلى الفرقة، من بينهم أكثر من 20 مشاركًا من غير المصريين. وتم تقسيم البرنامج إلى محورين، الأول يركز على وعي الإنسان بجسده، والثاني على الرقص المعاصر، ليستقر الاختيار في النهاية على 13 مشاركًا، من بينهم 6 من ذوي القدرات المختلفة و4 من جنسيات متعددة.
وأضافت أن كل عرض يمر بفترة بروفات تمتد إلى تسعة أشهر، تنتهي بتقديم عرض مسرحي واحد، وقدّم الفريق حتى الآن عرضين ضمن إطار المشروع.
وخلال اللقاء، رحبت مادلين نادر بمترجمة الإشارة، مؤكدة في الوقت نفسه – بصفتها صحفية معنية بملف الأشخاص ذوي الإعاقة والمرأة – أن الفريق يستعد لإطلاق دفعة جديدة من «أحلام مشبكة» بالمنهجية نفسها ولكن بشكل أكثر تطورًا، مع السعي لضم شركاء جدد.
وأشارت رشا إرنست إلى أن المشروع بدأ بدعم جائزة من صندوق الثقافة والفنون، كما دعمته مؤسسة «آفاق» في مراحله الأولى، إلى جانب توفير جمعية النهضة «الجيزويت» بالقاهرة مكان البروفات والعروض، ما أسهم في تهيئة بيئة مناسبة وآمنة للمشاركين.
وأكدت أن الفريق لا يضم فقط مستخدمي الكراسي المتحركة، بل شارك فيه أيضًا أشخاص بإعاقات غير ظاهرة، وهو ما منح العرض ثراءً وتنوعًا لافتًا، مشددة على أن العمل لا يُقدَّم لمجرد كونه لأشخاص مختلفين، بل بوصفه عملًا فنيًا متكاملًا يضع الجودة في المقام الأول.
وعن المشاركة في الموسم الجديد، أوضحت إرنست أن الانضمام متاح عبر صفحة «أحلام مشبكة» على موقع فيسبوك، معربة عن رغبتها في تطوير عرض «إنسانولوجي» لتقديمه خارج القاهرة وبترجمات مختلفة، إلى جانب تدريب أعضاء الفريق ليصبحوا كوادر قادرة على نقل التجربة إلى الأجيال الجديدة، مؤكدة أن الفن لا يمنح فقط القدرة على قبول الواقع، بل قد يدفع إلى تغييره.
