اقتصاد النزاعات: لماذا تستمر الحروب منخفضة الحدة في أفريقيا؟
اقتصاد النزاعات: لماذا تستمر الحروب منخفضة الحدة في أفريقيا؟
✍️ بقلم: طه المكاوي
لم تعد الحروب في أفريقيا تُدار وفق منطق الحسم العسكري السريع، بل تحوّلت في كثير من الحالات إلى صراعات منخفضة الحدة، طويلة الأمد، تُدار بعقلية “إدارة النزاع” لا “إنهائه”. هذا النمط الصراعي لا يسعى إلى نصر كامل، بل إلى إبقاء مستوى من العنف يسمح باستمرار شبكات المصالح المرتبطة به، فيما يُعرف بـ”اقتصاد النزاعات”.
اولا : ماهى الحروب منخفضة الحدة؟
الحروب منخفضة الحدة هي صراعات مسلحة محدودة النطاق، لا تصل إلى حرب شاملة بين جيوش نظامية، لكنها تستمر لسنوات وربما عقود، عبر عمليات كرّ وفرّ، وهجمات متفرقة، وسيطرة جزئية على الأراضي.

نجد هذا النموذج بوضوح في دول مثل الصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث لم تؤدِ التدخلات العسكرية المتكررة إلى إنهاء النزاع، بل إلى إعادة تشكيله في صور أكثر تعقيدًا.
ثانيًا: اقتصاد النزاعات… حين يصبح العنف مشروعًا مربحًا
الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في استمرار القتال، بل في تحوّل النزاع إلى نشاط اقتصادي منظم.
في العديد من المناطق الغنية بالموارد، تسيطر جماعات مسلحة على مناجم الذهب، أو شبكات تهريب الأخشاب، أو طرق تجارة السلاح. وتفرض هذه الجماعات جبايات غير رسمية على السكان المحليين، وتؤمّن ممرات تهريب مقابل عوائد مالية ضخمة.
في شرق الكونغو الديمقراطية، على سبيل المثال، ساهمت تجارة المعادن النادرة في تمويل جماعات مسلحة لسنوات، بينما بقيت الدولة عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة. وهكذا يتحول الصراع من عبء إلى مصدر دخل، ما يقلل الحافز لإنهائه.
ثالثًا: هشاشة الدولة وفراغ السلطة
بحسب عدد من الباحثين في الشأن الأفريقي، فإن هشاشة مؤسسات الدولة وضعف قدرتها على بسط الأمن والخدمات الأساسية يفتحان المجال أمام الفاعلين غير الرسميين.
حين تغيب الدولة، تظهر “سلطات بديلة” تدير الاقتصاد المحلي، وتقدم الحماية مقابل الولاء أو المال. في هذه البيئة، يصبح استمرار النزاع ضمانًا لبقاء هذه الشبكات، لأن السلام يعني عودة الدولة ومحاسبة المتورطين في أنشطة غير مشروعة.
رابعًا: التدخلات الدولية… حلول أمنية لأزمات هيكلية
رغم تعدد التدخلات الدولية في أفريقيا، فإن كثيرًا منها ركز على أهداف ضيقة مثل مكافحة الإرهاب أو حماية المصالح الاقتصادية.
في حالة الصومال، ركزت الجهود الدولية على محاربة الجماعات المتطرفة، دون معالجة عميقة لأسباب انهيار الدولة تاريخيًا. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، ظلت البعثات الأممية تحاول احتواء العنف بدلًا من تفكيك شبكات تمويله جذريًا.
هذا النهج الأمني يعالج الأعراض، لكنه لا يقترب من الجذور الاقتصادية والاجتماعية للنزاع.
خامسًا: هل يمكن كسر الحلقة المفرغة؟
كسر دائرة الحروب المستدامة يتطلب الانتقال من “اقتصاد الحرب” إلى “اقتصاد السلام”. وهذا التحول لا يتحقق فقط عبر اتفاقات سياسية، بل عبر:
تفكيك شبكات التمويل غير المشروع.
إصلاح مؤسسات الدولة وبناء جهاز إداري وأمني كفء.
خلق بدائل اقتصادية حقيقية للمجتمعات المحلية، خاصة الشباب.
تعزيز الشفافية في إدارة الموارد الطبيعية.
السلام المستدام في أفريقيا لن يتحقق بوقف إطلاق النار وحده، بل بإعادة هيكلة الحوافز الاقتصادية التي تجعل الحرب خيارًا مربحًا.
الحروب منخفضة الحدة في أفريقيا ليست مجرد صراعات عرقية أو دينية كما يُروّج أحيانًا، بل هي في جوهرها معادلات اقتصادية معقدة، تتشابك فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية.
طالما بقي العنف مصدر دخل، سيظل السلام مشروعًا مؤجلًا. أما حين يصبح الإنتاج والاستقرار أكثر ربحًا من الفوضى، عندها فقط يمكن أن تنكسر حلقة النزاع.
الرهان الحقيقي إذن ليس عسكريًا، بل اقتصادي مؤسسي: بناء دولة قادرة، وسوق عادلة، ومجتمع يملك ما يخسره إذا عاد إلى الحرب.
