الأمن البحري بين المتوسط والبحر الأحمر.. خط الدفاع الأول ضد الجريمة العابرة للحدود
الأمن البحري بين المتوسط والبحر الأحمر.. خط الدفاع الأول ضد الجريمة العابرة للحدود
كتب_ طه المكاوي
أكدت الدكتورة عقيلة دبيشي، مدير المركز الفرنسي للدراسات وتحليل السياسات، أن الأمن البحري لم يعد ملفًا تقنيًا أو عسكريًا محدود النطاق، بل أصبح ركيزة استراتيجية في معادلة الاستقرار الإقليمي، في ظل تصاعد أنشطة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتنامي شبكات التهريب والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والسلاح.

جاء ذلك خلال مشاركتها في المؤتمر الأمني الاستراتيجي المنعقد بمدينة بنغازي، حيث شددت على أن منطقتي البحر المتوسط والبحر الأحمر تمثلان اليوم مسرحًا مفتوحًا لتحديات أمنية متشابكة، تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
الجريمة المنظمة.. شبكات عابرة وسيادة تحت الاختبار
وأوضحت دبيشي أن الجريمة المنظمة العابرة للحدود استفادت من العولمة والتكنولوجيا الحديثة لتوسيع نطاق عملياتها، مستغلة الفجوات الأمنية وضعف التنسيق بين الدول. وأشارت إلى أن البحر لم يعد مجرد ممر تجاري، بل أصبح ساحة لنشاط شبكات معقدة تستخدم الموانئ والمياه الإقليمية كنقاط عبور وتخزين وتحويل.
وأضافت أن مواجهة هذه الشبكات تتطلب انتقالًا حقيقيًا من المقاربات التقليدية إلى استراتيجيات قائمة على التحليل العلمي وتكامل المعلومات، مؤكدة أن “القرار الأمني الذي لا يستند إلى دراسات معمقة يظل قرارًا مكلفًا وغير مستدام”.
البحث العلمي في خدمة القرار الأمني
وبيّنت أن الورقة البحثية التي قدمتها ركزت على ستة محاور أساسية، شملت الإطار المفاهيمي للجرائم العابرة للحدود، وآليات التعاون الدولي، ودور التقنيات الحديثة في تتبع الشبكات الإجرامية، إضافة إلى استشراف التحديات المستقبلية وصياغة توصيات عملية قابلة للتنفيذ.
وأكدت أن توظيف قواعد البيانات المشتركة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحليل الأنماط الإجرامية يمكن أن يساهم في بناء منظومة إنذار مبكر، تعزز قدرة الدول على الاستباق بدل الاكتفاء برد الفعل.
تجارب دولية.. دروس مستفادة
وفي سياق حديثها عن النماذج الدولية، أشارت إلى مبادرة مبادرة ميريدا للتعاون الأمني بين الولايات المتحدة والمكسيك، وعملية عملية الأسد الغربي التي قادتها الإنتربول في غرب أفريقيا، إضافة إلى آليات التعاون ضمن إطار منظمة الدول الأمريكية.
وقالت إن هذه النماذج، رغم تفاوت نتائجها، تثبت أن النجاح في مواجهة الجريمة المنظمة يرتبط بوجود إرادة سياسية واضحة، وبنية مؤسسية فعالة، وتبادل فوري للمعلومات بين الدول.
المتوسط والبحر الأحمر.. أولوية لا تحتمل التأجيل
وشددت دبيشي على أن حماية الممرات البحرية في المتوسط والبحر الأحمر تمثل أولوية قصوى، نظرًا لارتباطها المباشر بأمن التجارة العالمية وحركة الطاقة. وأوضحت أن أي خلل في هذه الممرات ينعكس فورًا على الاقتصاد الإقليمي والدولي، ما يجعل الأمن البحري جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي للدول المطلة عليهما.
وأكدت أن التنسيق الاستخباراتي، واحترام السيادة الوطنية، وبناء آليات تعاون إقليمي مرنة، تمثل الركائز الأساسية لصياغة استراتيجية موحدة قادرة على مواجهة التحديات المتصاعدة.
من الخطاب إلى التنفيذ
وفي ختام كلمتها، دعت مدير المركز الفرنسي إلى الانتقال من مرحلة البيانات والتوصيات إلى خطط عمل محددة بآليات متابعة وتقييم واضحة، مؤكدة أن “الاستقرار ليس شعارًا سياسيًا، بل نتيجة مباشرة لاستراتيجية متكاملة تحترم القانون الدولي، وتعزز الثقة المتبادلة، وتضع البحث العلمي في صدارة صناعة القرار”.
واختتمت بالتأكيد على أن الأمن البحري بين المتوسط والبحر الأحمر لم يعد خيارًا تكتيكيًا، بل هو خط الدفاع الأول في معركة طويلة ضد الجريمة العابرة للحدود، ومعيار حقيقي لقدرة الدول على حماية مصالحها في عالم سريع التحول.
