بين شارع المعز ومجمع الأديان… جولة صحفية في قلب القاهرة التي لا تُشبه أحدًا
بين شارع المعز ومجمع الأديان… جولة صحفية في قلب القاهرة التي لا تُشبه أحدًا
كتبت / داليا حسام
بحكم عملي، دخلت هذه الجولة لا كزائرة عابرة، لكن كشخص قارئ ومحب لتاريخ بلده آعرف أن القاهرة لا تُرى من بعيد، بل تُفهم حين تمشي في شوارعها. ما بين شارع المعز ومجمع الأديان، وجدت نفسي أسير داخل كتاب مفتوح، صفحاته من حجر، وسطوره من ذاكرة لا تنتهي.

بدأت جولتي من شارع المعز لدين الله الفاطمي، ذلك الشارع الذي لا يقدّم نفسه كأثر، بل ككائن حي. من أول خطوة، تشعر أنك مراقَبة بتاريخ طويل، المآذن تعلو في صمت مهيب، والواجهات الحجرية تحكي عن عصور تعاقبت دون أن تفقد هيبتها. هنا مسجد الحاكم بأمر الله، وهناك جامع الأقمر، وسبل وكتاتيب شُيّدت لتكون صدقة جارية ما زالت تشهد على وعي حضاري سابق لزمنه. كل تفصيلة في المعز مقصودة: المشربيات، النقوش، حتى اتساع الشارع وضيق بعض أجزائه.
وأنا أسير، لم يكن الزحام مزعجًا، بل كان جزءًا من المشهد. الباعة، أصوات الخطوات، رائحة القهوة، كل شيء يؤكد أن المكان لم يتحوّل إلى متحف صامت، بل ظل حيًا، يتنفس، ويقاوم النسيان.

ومن صخب التاريخ، انتقلت إلى سكينة الروح في مجمع الأديان بمصر القديمة. هنا تغيّر الإيقاع تمامًا. كأن القاهرة قررت أن تهمس بدل أن تتكلم. أول ما استقبلني كان الكنيسة المعلقة، القائمة فوق أبراج حصن بابليون. الصعود إليها ليس مجرد درجات، بل انتقال معنوي. الأيقونات القبطية تحيط بالمكان في وقار، والأخشاب القديمة تحتفظ بحرارة صلوات لا تُحصى.

ثم كانت كنيسة أبي سرجة، الأعمق أثرًا. نزلت إلى المغارة التي يُعتقد أن السيدة مريم والسيد المسيح والقديس يوسف احتموا بها أثناء رحلة العائلة المقدسة. المكان بسيط، ضيق، لكنه مشحون بمعنى النجاة. هناك لا تتكلم، فقط تشعر.
ومن الكنائس إلى كنيس بن عزرا، حيث الهدوء مختلف، لا يقل وقارًا. تعرّفت على قصة “الجنيزة” والمخطوطات التي كشفت تفاصيل دقيقة عن حياة اليهود في مصر عبر القرون. كان المكان شاهدًا على تنوّع عاش طويلًا دون صراع.

ولم تكتمل الجولة دون زيارة متحف الفن القبطي، حيث يتحوّل الإيمان إلى فن. أيقونات، منسوجات، مخطوطات، وأبواب خشبية تحكي تطور الهوية القبطية المصرية، وتكشف كيف عبّر الإنسان هنا عن عقيدته بالجمال والبساطة معًا.
واختُتمت الجولة في مسجد عمرو بن العاص، أول مسجد بُني في إفريقيا. بساطته تمنحه عظمة خاصة، وساحته الواسعة تعيدك إلى فكرة البداية، حين كان الإيمان خالصًا بلا زينة.

خرجت من هذه الجولة وأنا على يقين أن القاهرة لا تجمع آثارًا فقط، بل تجمع روايات تعايشت، وتجاورت، وبقيت. ما بين شارع المعز ومجمع الأديان، أدركت أن هذه المدينة لا تطلب منك الإعجاب، بل الفهم… ومن يفهمها، لا يملك إلا أن يحبها.

، لم أشعر أنني أنهيت رحلة، بل كأنني فتحت بابًا لأسئلة أعمق. ما بين شارع المعز ومجمع الأديان، تعلّمت أن القاهرة لا تُحكى دفعة واحدة، وأن تاريخها ليس محفوظًا في الكتب فقط، بل منقوش في الحجر، ومقيم في الروح. هنا، تعايشت المآذن مع الأجراس، وتجاور الدعاء مع الصلاة، وبقي الإنسان هو الحكاية الأهم. خرجت وأنا أكثر يقينًا أن هذه المدينة، مهما تغيّرت، ستظل قادرة على أن تذكّرنا بمن نكون، وأن تمنحنا في كل مرة سببًا جديدًا للدهشة والانتماء.
