بين التأرجح :ثورة ٢٣يوليو بين قراءة الانتكاسة و الجمهورية الفصل عنصرية (١).

بين التأرجح :ثورة ٢٣يوليو بين قراءة الانتكاسة و الجمهورية الفصل عنصرية (١).

في الحكم على غياب السياسي:البديل المفقود الذي افتقدته دولة يوليو.

في انتخابات نادي الضباط عام ١٩٥١ ، قام الضباط بانتخاب جمال عبد الناصر ليكون قائدًا للنادي ، و لكن تفاجأ الجميع بقرار تعيين حسين سري المكروه منهم بسبب سياسيته الهادفة لخدمة الإنجليز و الملك و قمع حركات التغيير السياسي التي تهدف لعدم حدوث أي تمردات أو ثورات .

مصطفى نصار

و دلت هذه الحركة على رغبة داخلية لقبولهم و قبول تغييرهم المنشود تحت ذريعة أن الملكية يجب أن تنتهي و تأتي مكانها جمهورية ، و على هذا الأساس حددت الحركة معياد الانقلاب على الملك في عام ١٩٥٥ . و على أي حال ، تسببت الأحداث و الأزمات المتسارعة لتبكير الانقلاب ليحدث في ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢.

ثورة ٢٣يوليو بين قراءة الانتكاسة
              ثورة ٢٣يوليو بين قراءة الانتكاسة

و لعل من أهم تلك الأحداث حريق القاهرة الذي قام في ٢٤يناير و مجزرة الإنجليز بحق ضباط الإسماعيلية الذي خلفت أكثر من ٣٠ شهيد و ٢٠٠مصاب ، فخلفت فراغًا و غيابًا للسياسي و دخلت البلاد في حالة من الغليان و السخط العام . و كان هذا المناخ المناسب عمليًا لعمل الانقلاب و إنهاء الاحتلال الإنجليزي لمصر .

أقرأ المزيد:الجيش الإسرائيلي يعد لـ”هجوم حاسم” ضد حزب الله

و توجه الضباط في صبيحة يوم ٢٣ يوليو لمبنى الإذاعة و أذاع بيان الثورة المقدم محمد أنور السادات ، و ذهبوا لجلب الملك من قصره ، و خيروه بين النفي و البقاء هنا فاختار النفي الاختياري بمحض إرادته لروما ، فأجلوه على يخت المحروسة وسط أجواء من التحية العسكرية. و إكمالًا للأصول ، صعد اللواء محمد نجيب
ليحيه التحية العسكرية تقديرًا لجهوده في حكم مصر في تلك الفترة .

و لنجيب شعبية جارفة مميزة بحق وسط قطاعات الشعب الواسعة ، و لم تعميه السلطة . فحكم لعام ١٩٥٦ ، و ما إن علم طمع السلطة العسكرية بالتملص من ترك و الانسحاب من السلطة حتى أزاحه صديقه و زميله في الانقلاب جمال عبد الناصر ، ووضعه تحت الإقامة الجبرية حتى موته ، و الأنكى الانتقام الناصري من أولاد نجيب بلغ درجة كبيرة من الإمعان في الذل و المهانة كما لو لم يكن صديقه أبدًا، بل سلمًا للقفز على ظهره للسلطة التي كلفت مصر الكثير حتى يومها هذا .

و للأسف الشديد ، مع فعلة عبد الناصر كان ينبغي أن يدفع ثمنًا باهظًا لما فيها من انقلاب على شروط الثورة الستة منها بناء جمهورية ديمقراطية و جيش وطني قوي في تلك الفترة ، و حتى وصلت الجرأة بجمال عبد الناصر باعتقال رموز الحركة الإسلامية من الإخوان المسلمين مثل بطل حرب ١٩٤٨ معروف الحضري و العميد أبو المكارم عبد الحي الذي صادقهم و كان جزءًا من حركاتهم لخيانتهم ، و هكذا تمت عملية التفريغ السياسي الكامل ،ليبدأ بعدها حكم الفرد المطلق و زمرته الفاسدة .

إبدال الملك بعشرة حتى النكسة المستمرة : تأصيل حقبة جمال عبد الناصر.

ثورة ٢٣يوليو بين قراءة الانتكاسة
                ثورة ٢٣يوليو بين قراءة الانتكاسة

حينما كتب الصحفي أبو الخير نجيب رئيس تحرير جريدة الجمهور المصري عام ١٩٥٦ أننا تخلينا عن ملك و استبدلناه بعشر ملوك ، حوكم عليه بالمؤبد في محكمة عسكرية خاصة ثورية صممت له خصيصًا فقط لانحيازه و تأييده لمحمد نجيب و عودة الجيش لثكناته في تعبير على دولة الحكم المطلق و الاستبداد القاسي .

و للإنصاف ، امتلكت رؤية عبد الناصر طابعًا اشتراكيًا يسعى لإنهاء الاستعمار عن الدول العربية و الأفريقية ، في تعبير على رغبة صادقة على مشروع قومي نيتيه الصادقة ، و نتيجة لذلك قام بتحرير الجزائر و تشاد و المساعدة في دعم انقلاب ليبا بقيادة معمر القذافي.

المزيد أيضا:لافروف: روسيا والصين عليهما التصدي للتدخل الخارجي في شؤون جنوب شرق آسيا

و بعد اعتقالهم أولى الاهتمام لضباطه الأقربيين مثل عبد الحكيم عامر الذي رقاه بطريقة استنائنية منقطعة النظير لرتبة المشير ، و التي كانت لازمًا على من يحصل عليها قد شارك من قبل في حرب أو أكثر، و ولى أنور السادات نائب رئيس الجمهورية و مجلس الرئاسة ، و كذلك زكريا محي الدين الذي تولى رئاسة المخابرات و الوزارء لفترة لم تمتد لسنتين ، و المخضرم كمال الدين حسين الذي تولى وزير الشئون الاجتماعية في ذلك الوقت ،و نائب في مجلس الشعب آنذاك . و مورست صلاحيات ووزعت أدوار استثائية على أصحاب القرابة و الصداقة و الطاعة و أزحيت الكفاءات من الصورة بشكل جعل الشيخ الراحل عبد الحميد كشك يهاجم ظلم و افتراء الحقبة الناصرية باستمرار مستحقة .

و جاءت النكسة و غيرت التركبية النفسية و السياسة للشعب و أفاق على واقع صدمة متعددة الأبعاد ، وصلت لوصفها من قبل الباحث و المؤرخ ذائع الصيت رءوف عباس بأنها صدمة أفاقت الجميع على كارثة ، لكن السادات تعلم من عبد الناصر الكثير . و لم يدم تطبيقه لما تعلمه طويلًا فانقلب على القيم الاشتراكية و أسس للتغيير الهوياتي العميق عقب نصر أكتوبر ، أي أنه مسح النصر بانبطاح جديد متعدد الأبعاد و تغيير هوياتي يقرب من الاستعمار المعماري في الحقبة قبل نشأة الجمهورية .

المعمار المخيف : بداية الفصل العنصري الاستعماري النفسي .

في مقابلة للرئيس الراحل محمد أنور السادات مع الإعلامية المعروفة دولت محمد ،أكد لها أنه يود تغيير القاهرة لتصبح مثل العواصم الكبري مثل شنغهاي و هونج كونج دون الالتفات للتركيبة الجغرافية أو السكانية للسكان و صوت المجتمع، لإن الأساس في المعمار الاستماع للصوت المؤسس له في الأصل و إلا صارت مخازن أسمنتية ضخمة لا تحتوي إلا كتلة من البشر غير واضحي المعالم .

و من الأشياء التي تثير حفظية المرء أن الباحثة و أستاذة الانثروبولجيا الحضرية أنوك دي كوبنبغ كتبت بكل وضوح عن الآثار التدميرية العميقة لسياسة مسخ الهوية الأصيلة للإنسان عبر إعادة تمركز المحيط الديمراغفي و المعماري حوله لأمرين تثبيت أن الخوف و الهلع صفة تتأصل في نفس المرء لدرجة العقيدة و الجزم أن العقيدة الاقتصادية للفرد مشوهة بتشوه معمار الفرد . و يزيد عليها الجغرافي ديفيد هارفي أن المدن حينما تتمرد على أصحابها ، تمسخ أصحابها بمسحتها الممسوخة .

و لعل النزعة التغربية لها العديد من الخطايا التي لا زلنا نعاني منها حتى اليوم ، و لكن الأهم و الأجدر هو نزع الانتماء تدريجيًا عبر زرع مشاعر نزع الأنسنة و القهر و الترويض الدائم للإنسان ، الأمر الذي سينتهى بمآسي عديدة اقتصادية و عمرانية و سياسية في عهد مبارك الطويل و ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١.

و إحكام السيطرة و الإذعان من أشد الأسباب و النتائج، لما يزرع في النفس من مشاعر الخوف و استحالة التغيير السلمي أو أي تغيير ، مما ينتج وهن و ضراوة في الضعف و السلبية . و يذهب عالم الاجتماع البولندي لأبعد من ذلك حيث ينقل على لسان المؤسس الفعلي لدولة الرفاه الإنجليزي ديفيد ايفرنج أن المباني هنا و الرفاه للحكم و ليس للدولة في صيغة مجنونة و غير مبررة إلا في سياق أن المدينة مصممة فقط للاستعمار النفسي.

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.