دار الإفتاء المصرية وصناعة الوعي… 130 عامًا من ترسيخ الثوابت وبناء الإدراك المجتمعي
دار الإفتاء المصرية وصناعة الوعي… 130 عامًا من ترسيخ الثوابت وبناء الإدراك المجتمعي
✍️ بقلم: طه المكاوي
في لحظة فارقة تستعيد فيها مصر تاريخًا ممتدًّا من الإشعاع الفكري والديني، احتفت دار الإفتاء المصرية بمرور 130 عامًا على تأسيسها، عبر ندوة حملت عنوان “دار الإفتاء المصرية وصناعة الوعي”؛ لتُعيد إلى الواجهة الدور العميق الذي لعبته هذه المؤسسة العريقة في تشكيل العقل الجمعي المصري، وترسيخ الفهم الشرعي المنضبط، ومواجهة التحديات الفكرية المتجددة.
الندوة شهدت حضورًا نخبوياً ضم فضيلة مفتي الجمهورية، ورؤساء هيئات وباحثين وخبراء، في مساحة حوارية ثرية أكدت مكانة دار الإفتاء كأحد أهم مؤسسات صناعة الوعي في مصر والعالم الإسلامي.
١- مفتي الجمهورية: تاريخ ممتد ورسالة واعية ترصد الواقع وتصنع الوعي
أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن تاريخ دار الإفتاء المصرية الذي يمتد لأكثر من قرن وربع القرن لم يكن مجرد سنوات من العمل المؤسسي، بل مسيرة جادة قدم خلالها علماء الدار نموذجًا فريدًا في خدمة الوطن والمجتمع.
وشدد فضيلته على أن دار الإفتاء لم تكتفِ بإنتاج الفتوى، بل وضعت لنفسها منهجًا مؤسسيًا منضبطًا تُوّج بما يُعرف بـ “معتمد الدار”.
دورٌ راسخ في رصد القضايا المستجدة
وأشار فضيلته إلى أن صناعة الوعي داخل دار الإفتاء مرت بمراحل طويلة من الرصد والتوثيق للقضايا الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ مما جعلها مرجعًا رئيسيًا يواكب الواقع دون إفراط أو تفريط.
كما أكد أن الوعي الحقيقي لا يكتمل إلا بمراعاة المقاصد والمآلات والعادات والأعراف، محذرًا من اختزال الوعي في أطر ضيقة لا تعبّر عن الواقع.
٢- رئيس المركز القومي للبحوث الاجتماعية: حاجة متزايدة للخطاب الديني المستنير
قالت الدكتورة هالة رمضان، رئيس المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن العالم اليوم يواجه موجات فكرية متشابكة، ما يجعل الحاجة إلى التوجيه الديني الواعي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
فجوات بين الأجيال وتحديات معرفية
وعرضت نتائج دراسة موسعة شملت 10 محافظات مصرية حول الثقة في المؤسسات الدينية ومصادر المعرفة، حيث كشفت عن:
ضعف الترابط الأسري ونقص التسامح بين الفئات المختلفة.
أن 80% من مصادر المعرفة الدينية لدى الجمهور تأتي من إذاعة القرآن الكريم، تليها خطبة الجمعة ووعظ الكنيسة.
ارتفاع ثقة الجمهور في الأزهر الشريف ودار الإفتاء، ثم وزارة الأوقاف.
وأكدت أن رجل الدين بات مطالبًا بإدراك عميق لمشكلات الأسرة والمجتمع، إلى جانب القضايا العقدية، في ظل تطور المشهد الفكري واحتياجات الجمهور
٣- عماد هلال: الفتوى مدرسة حضارية وثقافية قبل أن تكون حكمًا شرعيًا
أكد الدكتور عماد هلال، رئيس قسم التاريخ والحضارة بجامعة قناة السويس، أن منصب الإفتاء أعمق بكثير مما يظنه العامة، إذ إنه “توقيع عن الله” يستلزم فهمًا دقيقًا لروح الشريعة.
الفتاوى مرجع تاريخي ومصدر فقهي
وأوضح أن فتاوى دار الإفتاء تعدُّ كنزًا معرفيًا يوثق طبيعة القضايا التي شغلت المصريين عبر التاريخ، كما أنها مصدر فقهي ومدرسة تدريب مهمة لدارسي الفقه.
وأشار إلى الجهود التاريخية في نشر سجلات الإفتاء، بدءًا من الشيخ جاد الحق علي جاد الحق ثم الدكتور علي جمعة، ما جعل تلك السجلات متاحة للباحثين والدارسين.
٤- عمرو الورداني: الوعي معركة عالمية ودار الإفتاء في قلب المواجهة
أكد الدكتور عمرو الورداني، أمين الفتوى بدار الإفتاء، أن الوعي يمثل “ساحة معركة عالمية” تستهدفها القوى التي تسعى لإضعاف المجتمعات والحضارات.
الوعي جسر بين التنمية والفهم الحضاري
أوضح الورداني أن بناء الوعي لا يقتصر على الثقافة أو التعليم، بل هو عملية حضارية شاملة تتطلب تفاعلًا بين الثابت والمتغير.
وأشار إلى أن تغييب الوعي يؤدي إلى اختزاله ثم اختلاله، وصولًا إلى استغلاله من قبل قوى خارجية.
محاور بناء الوعي في دار الإفتاء
تعتمد الدار على عدة مسارات لتعزيز الوعي، منها:
التدريب الإعلامي
التثقيف الأسري
الإرشاد الزواجي
مواجهة الشبهات الفكرية
التفكير المتكامل
تطوير منصات رقمية متخصصة
كما قدّم مجموعة من التوصيات، أبرزها:
تعزيز الشراكات المجتمعية
تدريب الدعاة على الوعي
قياس أثر البرامج
مواجهة التطرف والإلحاد العاطفي
الاهتمام بالوعي النفسي والاجتماعي
تؤكد هذه الندوة أن دار الإفتاء المصرية لم تعد مجرد مؤسسة معنية بإصدار الفتاوى؛ بل أصبحت ركيزة فكرية ومعرفية تسهم في تشكيل وعي المجتمع، وبناء منظومة الإدراك الديني والوطني في مواجهة التحديات المعاصرة.
ومع احتفالها بمرور 130 عامًا على تأسيسها، تواصل دار الإفتاء ترسيخ حضورها كمؤسسة تمتلك القدرة على قراءة الواقع، وصياغة خطاب ديني رشيد، وتقديم مسارات فكرية تحفظ الهوية وتبني المستقبل بثقة ووعي واستنارة.
