رحيل الجسد وبقاء الصوت.. الحصري حاضرا بعد 45 عاما في إذاعة القرآن الكريم

إذاعة القرآن الكريم تحيي الذكرى الـ45 لرحيل شيخ المقارئ.. محمود خليل الحصري

القاهرة – في يومٍ تموج فيه الأرواح بالخشوع، و تتهادى فيه التلاوات من عالم القدسية، أحيت إذاعة القرآن الكريم الذكرى الخامسة والأربعين لرحيل علم من أعلام التلاوة، و قبلة للعالم الإسلامي في تجويد القرآن الكريم، الشيخ محمود خليل الحصري. عبر بث مباشر و ممتد، استحضرت الإذاعة صوتا ملأ الدنيا وشغل الناس، ليس مجرد قارئ، بل مدرسة متكاملة في فن التلاوة وأحكام التجويد.

بث حي يستعيد الماضي

على مدار اليوم، تحولت الإذاعة إلى نافذة زمنية تعبر بالمتلقين إلى عصر الشيخ الحصري. لم تكن مجرد تلاوات مسجلة نسمعها دائما، بل قدمت الإذاعة لمسات خاصة شملت بثا لتسجيلات نادرة وأحاديث للشيخ، كشفت عن جانب إنساني عميق وراء ذلك الصوت الجهوري المبجل.

 

ولم تكتفى الإذاعة بتقديم الصوت فقط، بل استضاف الإذاعي إسماعيل دويدار ضيفين مميزين: السيدة ياسمين الحصري، كريمة الشيخ، التي شاركت الحضور بذكريات حميمة من داخل المنزل، رسمت صورة للرجل “الأب”، الزوج، والإنسان الذي كانت حياته خارج المسجد و استديوهات التسجيل لا تقل وقارا و هدوءا عن حياته العامة. كما استضاف الشيخ أحمد نعينع، شيخ عموم المقارئ المصرية، الذي سلط الضوء على الجانب العلمي و الإنجازات غير المسبوقة للشيخ الحصري، والتي شكلت منه إرثا خالدا للمدرسة المصرية في التلاوة.

من قرية شبرا النملة.. إلى عالمية القرآن

ولد محمود خليل الحصري في السابع عشر من سبتمبر عام 1917، في قرية “شبرا النملة” التابعة لمحافظة الغربية. كان مولدا في كنف أسرة كريمة، لكن ظروفها لم تكن مواتية. أتم حفظ القرآن الكريم في الثامنة من عمره، ليتفتح على قلبه وعقله مبكرا. كانت البداية الحقيقية عندما انتقل إلى مدينة طنطا ليلتحق بالجامع الأحمدي، حيث تتلمذ على يد شيوخه، وتعمق في علوم القرآن والتجويد.

في عام 1944، تقدّم لامتحان الإذاعة المصرية، ونجح بتفوق ليصبح قارئا في الإذاعة، وكانت هذه هي الانطلاقة الحقيقية لصوت سيجوب العالم العربي والإسلامي بأسره. تميزت تلاوته بالدقة المتناهية في أحكام التجويد، و النبرة الواضحة، والأداء المتزن الذي يخاطب العقل والقلب معا، مما جعله قبلة للمستمعين الباحثين عن التلاوة “المحققة”.

رجل السبق و الإنجازات.. أوليات سجلت باسمه

لا يمكن الحديث عن الشيخ الحصري دون التوقف عند سلسلة الإنجازات و السبقات التي حققها، والتي جعلته بحق رائدا في مجاله:

1- أول مقرئ يسجل المصحف المرتل برواية حفص عن عاصم: وكان ذلك لإذاعة القرآن المصرية، ليصبح هذا التسجيل المرجع الأول للملايين حول العالم.

2- أول مقرئ يسجل المصحف المرتل برواية ورش عن نافع و قالون وخلف عن حمزة: وذلك بتكليف من الحكومة المصرية، تقديرا لعلمه وضبطه.

3- أول من سجل المصحف المعلم (بطريقة التعليم): حيث قدم خدمة جليلة لحفاظ القرآن الكريم.

4- أول مقرئ يقرأ القرآن في البيت الأبيض الأمريكي: وذلك أثناء زيارته للولايات المتحدة بدعوة رسمية، وقبل الكونجرس الأمريكي.

5- أول من نادى بإنشاء نقابة لقراء القرآن الكريم: وكان أول نقيب لها، ليضع أساسا تنظيميا لهذه المهنة الجليلة.

 

العالمية والقدوة الحسنة

كما سافر الشيخ الحصري إلى معظم أنحاء العالم، من أوروبا إلى آسيا وإفريقيا، حاملا كلمة الله. وكانت له مواقف مشهودة في الدعوة إلى الإسلام وتعليم غير الناطقين بالعربية قواعد التلاوة. كذلك تمتع بأخلاق رفيعة، كان وقورا، متواضعا، شديد الحرص على هيبته وهيبة القرآن الذي يمثله. وكان حريصا على ألا يأخذ أجرا على تلاوته، معتبرا ذلك خدمة للقرآن.

رحيل الجسد.. وبقاء الصوت

في يوم الاثنين السادس عشر من نوفمبر 1980. أسلم الشيخ محمود خليل الحصري روحه لخالقها. بعد رحلة عطاء حافلة دامت لسنوات، قضاها في خدمة كتاب الله. رحل جسده، لكن صوته و إرثه لم يرحلا. فلا يزال تسجيله للمصحف المرتل هو الأكثر انتشارا و استماعا في العالم.

علاوة على ذلك إن إحياء إذاعة القرآن الكريم لذكرى رحيله. ليس مجرد استذكار لشخص. بل هو إحياء لمنهج. وتذكير بأساسيات التلاوة الصحيحة. وتكريم لرجل كان القرآن نبراس حياته. فجعل حياته نبراسا لمن بعده. الشيخ الحصري لم يكن مجرد صوت.

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.