رحيل بريجيت باردو… أيقونة السينما الفرنسية التي صارت صوت الرحمة
رحيل بريجيت باردو .. في تاريخ السينما العالمية، تُسجّل أسماء قليلة فقط تمكنت من أن تتحول من نجوم لامعين على الشاشة إلى رموز إنسانية عابرة للأجيال. ومن بين تلك الأسماء تبقى بريجيت باردو واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام، فقد جمعت بين الجمال الآسر والشهرة الطاغية، ثم اختارت بكامل إرادتها أن تغادر الضوء لتمنحه لمن يحتاجه. إنها الحكاية الكاملة لامرأة صنعت أسطورتها بنفسها، من قلب باريس إلى قضايا الحيوان حول العالم.
كتبت/ماريان مكاريوس

وُلدت بريجيت باردو عام 1934 في العاصمة الفرنسية باريس، في بيئة أرستقراطية تهتم بالفن والثقافة، الأمر الذي ساعدها على الدخول مبكرًا في عالم الأداء والاستعراض. تلقت تدريبًا في رقص الباليه خلال طفولتها ومراهقتها، وكان حلم عائلتها أن تصبح راقصة محترفة، إلا أن القدر كان يخبئ لها طريقًا مختلفًا وبريقًا أكبر.
بدأت باردو خطواتها الأولى أمام الكاميرات كعارضة أزياء وهي في سن الخامسة عشرة، وسرعان ما جذبت انتباه صناع السينما بجمالها الأوروبي الأخاذ وحضورها المميز، لتبدأ رحلتها في عالم التمثيل في بداية الخمسينيات.
انفجار عالمي بعنوان: وخلق الله المرأة
رغم مشاركتها في عدد من الأفلام، فإن النجاح الحقيقي جاء مع فيلم “وخلق الله المرأة” عام 1956، الذي مثّل نقطة تحول جذرية في حياتها ومسيرتها الفنية. الفيلم قدّم صورة جديدة وغير مألوفة للمرأة على الشاشة؛ امرأة جريئة، متحررة، لا تخجل من أن تعلن رغباتها أو تدافع عن حرية جسدها وروحها. أثار العمل ضجة واسعة في العالم الغربي، ووُصفت باردو بعده بأنها رمز الجمال والتحرر في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
منذ ذلك الحين، أصبحت باردو وجهًا عالميًا؛ صورها على أغلفة المجلات، وتسريحات شعرها تقلّدها الفتيات، وملابسها تتحول إلى صيحات موضة. لم تعد مجرد ممثلة، بل أيقونة ثقافية ألهمت ملايين النساء ودخلت عالم النجومية من أوسع أبوابه.
شاركت باردو خلال مسيرتها في نحو 50 فيلمًا متنوعًا بين الدراما والكوميديا والرومانسية، وأبدعت في تقديم شخصية المرأة التي تجمع بين العفوية والتمرد، لتصبح بلا منازع نجمة السينما الفرنسية الأولى خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

دون جوان 73… نهاية مسيرة تحت الأضواء
على الرغم من النجاح الساحق، لم تتمكن باردو من الهروب من الوجه الآخر للشهرة: الضغط النفسي المستمر. فقد تحولت حياتها إلى مادة خصبة للصحافة، وتعرضت علاقاتها الخاصة وأخبارها الشخصية للتضخيم الدائم والتطفل الإعلامي، ما جعلها تعيش صراعًا قاسيًا بين رغبتها في الحياة بحرية، ومسؤوليات كونها نجمة عالمية.
وفي عام 1973، اتخذت قرارًا صادمًا للجميع: اعتزال التمثيل وهي في ذروة شهرتها. كان فيلم “دون جوان 73” آخر أعمالها الفنية، وقد أنهت به مسيرة امتدادها لنحو عقدين كانت خلالها واحدة من أكثر النساء شهرة وتأثيرًا.
لم يكن اعتزالها انسحابًا من الحياة، بل بداية لمرحلة جديدة وربما أكثر أهمية من حياتها الفنية، مرحلة كرّستها لقضية آمنت بها بعمق.
حلم الإنسانية… صوت من لا صوت لهم
بعد اعتزالها، أغلقت باردو باب الاستوديوهات إلى الأبد، وفتحت بابًا أكبر بكثير: باب الدفاع عن حقوق الحيوان. بدأت حملات موسعة ضد تعذيب الحيوانات في السيرك والمختبرات والمسالخ، واشتهرت بمعاركها الشرسة ضد تجارة الفراء .
وفي خطوة مرتبطة بقناعتها الراسخة، أسست مؤسسة “بريجيت باردو” لحماية الحيوان، والتي أصبحت واحدة من أبرز المنظمات العالمية في هذا المجال، تُقود من خلالها حملات ضغط على الحكومات وتقدم مساعدات لجهود الإنقاذ والرفق بالحيوان.
لم تكن نضالاتها سهلة، فقد واجهت انتقادات من جهات صناعية وسياسية كبرى، لكنها ظلت ثابتة على مبدأ واحد:
الحياة حق لكل كائن، مهما كان صوته ضعيفًا أو مهمشًا.
رمز لا يغيب… ما بين الفن والقضية
إرث باردو اليوم هو مزيج فريد بين سحر الشاشة وصرخة العدالة. لقد غيّرت النظرة للمرأة في السينما، وتركت بصمتها على الحركة النسائية دون أن ترفع شعارًا واحدًا. كانت امرأة تتصرف وفق قناعتها، وتعيش وفق حقيقتها، دون أن تخشى القوالب أو التوقعات.
والأهم من ذلك، أنها أعادت تعريف النجومية، ليس بوصفها مجدًا يُطارد، بل منبرًا لخدمة الحياة.
لقد بقيت بريجيت باردو — حتى بعد رحيلها — مثالًا للمرأة التي عرفَت كيف تكون جميلة، وكيف تكون جريئة، وكيف تكون مؤثرة، لا عبر الأفلام وحدها، بل عبر اختيارها الإنساني الذي جعل العالم مكانًا أرحم قليلًا.

