رمضان.. ضيف الرحمة وفرصة تجديد الحياة
رمضان … ساعات قليلة ويهل علينا شهر رمضان المبارك، ذلك الضيف الكريم الذي يحمل بين طياته النفحات والبركات والرحمات.
بقلم إيمان سامي عباس

وقبل أن تتزين الشوارع وتُضاء البيوت، تتجه القلوب شوقًا لاستقبال هذا الشهر العظيم، باعتباره محطة تصحيح لمسار حياتنا، وفرصة صادقة لإعادة ترتيب أولوياتنا.
رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة لتهذيب النفس، وضبط السلوك، وترسيخ الأخلاق المرتبطة بصدق النية والإخلاص في طاعة الله. فيه يقترب العبد من ربه بالدعاء والعمل الصالح، ويسعى ليكون أثره نافعًا لمن حوله.
وحلاوة رمضان لا تكمن في السهر الطويل أمام الشاشات أو قضاء الليالي في المقاهي والاحتفالات، بقدر ما تكمن في صفاء القلب واستعداده للعبادة. فالقلب المثقل بالخصومات، والمحمّل بالمظالم، يصعب عليه تذوق لذة القرب من الله. لذلك فإن من أجمل صور الاستعداد للشهر الكريم رد الحقوق إلى أصحابها، والعفو والصفح، وتطهير النفس من كل ما يعكر صفوها.
كما أن الاستعداد لرمضان لا يقتصر على الزينة والمظاهر، ولا على الإسراف في الطعام والشراب، الذي قد يفتح أبواب الجشع والاستغلال والغش ورفع الأسعار بغير حق. فالشهر الذي جاء ليهذب النفوس لا يليق أن يُستقبل بسلوكيات تخالف مقاصده. إن التجارة في رمضان يجب أن تقوم على الأمانة والرحمة، لا على الاحتكار وأكل أموال الناس بالباطل.
ومن أعظم ما يهيئ النفس لاستقبال هذا الشهر الإكثار من الدعاء؛ فالدعاء يفتح أبواب التوفيق، ويهيئ القلب لتلقي النفحات الإيمانية. وحين يستشعر المسلم مكانة رمضان، يقبل على العبادة بمحبة وشوق، لا بتكلف أو عادة.

رمضان.. فرصة للتغيير وبناء الإنسان
الاستعداد الروحي والقلبي هو مفتاح الانتفاع الحقيقي برمضان، وصدق النية هو أساس قبول العمل، فصلاح الأعمال مرتبط بإخلاص المقاصد. ومع اقتراب الشهر الفضيل، تتجدد أمامنا فرصة ثمينة لإعادة تشكيل ذواتنا، وتصحيح سلوكياتنا، واكتشاف قدرتنا على الصبر والتحمل.
رمضان ليس موسمًا عابرًا للأعمال الخيرية فحسب، بل هو زمن لإحياء الإحساس بعظمة اللحظة وشرف الضيافة الإلهية. هو فرصة لتوسيع دائرة الخير، وإدخال السرور على الفقراء والمحتاجين، ومشاركة غير القادرين فرحة الشهر الكريم.

ولا يليق بنا أن نستقبل هذا الضيف بقلوب غافلة ونفوس منشغلة بالدنيا؛ فقد يكون رمضان هذا العام هو الفرصة التي لا تتكرر للبعض. لذا ينبغي اغتنام أيامه ولياليه، والخروج منه بمكاسب إيمانية حقيقية، عبر التقرب إلى الله بالطاعات، والابتعاد عن المحرمات، والتوسع في أعمال البر.
وفي النهاية، فإن الصائم الحقيقي ليس من يمتنع عن الطعام والشراب فقط، بل من يصوم لسانه عن الكذب، وقلبه عن الحقد، وجوارحه عن المعاصي. ومن جميل ما في رمضان أنه يعزز روح القدوة داخل الأسرة؛ فحين يرى الطفل والديه يلتزمان بالصيام والطاعة، ينشأ على حب العبادة، وتترسخ لديه القيم الأخلاقية، ليصبح الصيام عبادة مجتمعية تُسهم في تهذيب السلوك وتقوية الروابط الاجتماعية.
رمضان إذن ليس مجرد شهر في التقويم، بل فرصة ربانية لتجديد الإيمان، وبناء الإنسان، وصناعة مجتمع أكثر صفاءً ورحمة.
كاتبه المقال/ إيمان سامي عباس
