رمضان مدرسة الصبر وجامعة الأخلاق وموسم العِتق

يأتي رمضان كل عام لا كضيف عابر، بل كمرحلة تربوية متكاملة، كأنه عامٌ كاملٌ مضغوط في ثلاثين يومًا، يعلّمنا كيف نُهذّب النفس، ونُقوّي الإرادة، ونرتقي بالروح، هو ليس مجرد شهر نصوم فيه عن الطعام، بل زمنٌ نصوم فيه عن كل ما يُثقِل القلب ويُشوّه المعنى.

الكاتبة/ زينب محمد شرف

الصبر في رمضان تربية يومية للنفس، لا يراها الناس… لكن يشعر بها القلب
الصبر في رمضان ليس درسًا نظريًا، بل تجربة يومية نعيشها من الفجر حتى الغروب، نصبر عن المباح قبل المحرّم، فنكتشف أن النفس يمكنها أن تُروَّض، وأن الرغبات مهما اشتدت يمكن ضبطها، لذلك نتعلم في رمضان أن النفس التي تُروَّض شهرًا، تستطيع أن تستقيم عمرًا.

في رمضان يوقظ فينا القدرة على التحمّل، وفي الجوع نتعلّم أن نحتمل، وفي العطش نتذكّر ضعفنا، وفي طول النهار ندرك أن الإرادة أقوى من العادة، رمضان يدرّبنا على الصبر بأنواعه الثلاثة، صبر على الطاعة حين نُقبل على الصلاة والقيام رغم التعب، وصبر عن المعصية حين نكفّ ألسنتنا وأعيننا وقلوبنا، وصبر على الأقدار حين نرضى بما يمرّ بنا من ابتلاءات، وكأن الشهر يقول لنا إذا استطعت أن تصبر شهرًا، فأنت قادر أن تصبر عمرًا.

رمضان جامعة الأخلاق

في جوع رمضان نعلو فوق حاجاتنا، وفي عطشه ندرك ضعفنا فنخشع، ومع امتداد نهاره نكتشف أن الإرادة أقوى من أعمق عادة، هو ليس شهر شعارات، بل معملٌ يوميّ للصبر؛ على الطاعة رغم التعب، وعن المعصية رغم القدرة، وعلى الأقدار رغم الغموض، وكأنه يهمس لنا ويقول، من قدر على نفسه شهرًا، قدر على حياته عمرًا.
رمضان يعيد رسم خريطة تعاملاتنا، فنصبح أهدأ في غضبنا، ألطف في كلامنا، وأكرم في عطاءنا.
رمضان يعيد تشكيل تعاملاتنا، نتعلّم ضبط الغضب، نلين في الحوار، نعفو عمّن أخطأ، ونُحسن إلى الفقير ونشعر بحاجة المحتاج، هو جامعة مفتوحة، ومحاضراتها في كل موقف، واختباراتها في كل كلمة نقولها، من خرج من رمضان ولم تتغيّر أخلاقه، فقد فاته أعظم مقاصده، لذلك يجب علينا أن نصوم عن القسوة، والغضب، والإهمال.

رمضان موسم العِتق

في هذا الشهر تتجلّى الرحمة الإلهية بأوسع معانيها، هو موسم العودة، وموسم الغفران، وموسم العتق من النار، التى تتضاعف الحسنات، وتُفتح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُقيَّد الشياطين، كما ورد في السنة النبوية، وتأتي في ختامه ليلة عظيمة هي ليلة القدر، التي هي خيرٌ من ألف شهر؛ ليلة تتغيّر فيها أقدار، وتُرفع فيها دعوات طال انتظارها، رمضان يهمس لكل مُثقل باب العودة مفتوح ولكل مُذنب الرحمة أوسع من ذنبك، ولكل تائه، الطريق ما زال أمامك.

من أدرك رمضان أدرك أن الرحمة أوسع من كل ذنب، وأن المغفرة أقوى من كل خطأ، ومن هذا المنطلق، رمضان ليس محطة مؤقتة، بل دورة مكثّفة لإعادة بناء الإنسان، هو مدرسة نتعلّم فيها الصبر، وجامعة نتخرّج منها بأخلاق أرقى، وموسم نرجو فيه العِتق والقبول، وختامًا الصوم مدرسة الصبر، والقيام جامعة الأخلاق، والدعاء جسر القرب من الله.

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.