ريهام طارق تكتب: عندما يصبح الموت مألوفًا

عندما نعتاد الفقد بقلم ريهام طارق

بقلم ريهام طارق 

هناك لحظات في حياتنا لا تمر بهدوء، بل قبل أن ترحل تترك بداخلنا جرحاً عميقا يشقّ أرواحنا، وأشد هذه اللحظات الما هي فكرة الموت، ومشاهدة شخص نحبه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام أعيننا.

في تلك اللحظة، لا تصبح مجرد ذكرى مؤلمة، بل تجربة نفسية قاسية تُعيد تشكيل الإنسان من داخله، دون أن يلاحظ ذلك فورًا.

كل من شهد رحيل شخص قريب يشعر أن شيئًا ما تغيّر داخله…

شيء لا يمكن تسميته باسمٍ محدد أو وصفه بحالة بعينها، لكنه يظهر في الإحساس، وفي طريقة النظر إلى الحياة، وفي أسلوب التعامل مع الناس.

أنا واحدة من هؤلاء.

لم أشهد الموت مرة واحدة، بل تكرر أمامي حتى أصبح جزءًا من ذاكرتي اليومية.

أول مرة كان أبي…

كنت صغيرة، لم أكن أفهم معنى الموت، ولم أستوعب أن هذا الوداع هو الأخير، وأن هذا الوجه الذي اعتدت أن أستيقظ على ابتسامته لن أراه مرة أخرى.

لم يكن عقلي قادرا على فهم الفقد.

ثم رحلت أمي…

وهنا لم تكن مجرد صدمة، بل انكسار كاملا.

أن ترى أمك تلفظ أنفاسها الأخيرة أمام عينيك، يعني أن الأمان نفسه يرحل، وأن العالم يصمت فجأة.

في تلك اللحظة، شعرت بخوف لم أعرفه من قبل، خوف خالص، كأنني حُبست في غرفة مظلمة بلا أي منفذ للنور.

ثم جدتي… جدي… خالتي… أقرب خالٍ لي…

ثم أبو أولادي…

ثم أصدقاء مقربون، رحلوا واحدا تلو الآخر، حتى شعرت أن الموت لم يعد زائرا غريبا، بل ضيفا معتادا في حياتي.

ورغم أن عمري ما زال صغيرا، كنت وأنا طفلة أعتقد أن الموت يخص كبار السن فقط، وأنه ما زال بعيدًا جدًا عني.

مع الوقت، حدث شيء غريب…

لم أعد أخاف من كلمة «موت».

لم أعد أرتبك عندما يتحدث أحد عنه.

لم تعد الفكرة تصيبني بالهلع.

لكن في المقابل، ظهر خوفا آخر، أعمق وأكثر صمتا:

الخوف من التعلق.

في علم النفس، يطلق على هذا النوع من المشاعر «صدمة الفقد المتكرر»، وهي حالة تجعل الإنسان يربط الحب بالألم، والارتباط بالخسارة.

فيبدأ العقل، دون وعي، في بناء حائط حماية يقول:

«لا تتعلق… حتى لا تحرم».

فأصبحت أميل إلى الزهد في العلاقات،

أحب الناس من مسافة آمنة،

وأخشى الاقتراب، لا لأنني لا أريد، بل لأنني تعلمت أن القرب مؤلم.

كما أن تكرار مواجهة الموت يجعل الإنسان يرى الدنيا بنظرة مختلفة؛

تصبح الأشياء أقل أهمية،

والخلافات تافهة،

والسباق المحموم خلف الحياة يبدو بلا معنى.

لكن السؤال الأهم هنا:

هل هذا طبيعي؟

نعم… تمامًا.

والسؤال الأصعب:

هل يمكن الشفاء من رعب الفقد؟

الشفاء هنا لا يعني النسيان، ولا يعني أن الألم سيختفي،

بل يعني أن نتعلم كيف نعيش رغم كل ما حدث.

كيف نواجه و نتعافى؟

الاعتراف بالمشكلة:

أول خطوة في التعافي هي الاعتراف بأن ما حدث كان قاسيا، وأن ما نشعر به ليس ضعفا ولا خللا، بل استجابة إنسانية طبيعية.

احتواء الخوف بدل محاربته:

الخوف من التعلق ليس عيبا، لكنه رسالة من النفس تقول: «أنا تألمت كثيرًا».

وعندما نفهم السبب، يقل تأثيره.

التعبير والفضفضة لا الكتمان:

الحديث، والكتابة، والبكاء… كلها وسائل علاجية معترف بها نفسيا.. الألم الذي لا يقال يتحول إلى عبء داخلي.

إعادة تعريف الحب:

الحب لا يعني الضمان الأبدي، بل يعني التجربة.

نحن لا نملك أعمار من نحب، لكننا نملك فرصة العيش معهم، وما زال أمامنا وقت.

في النهاية…

لم أعد نفس الشخص الذي كنت عليه قبل كل هذا الفقد،

لكنني أيضًا لست شخصًا مكسور أو ضعيف أو مستسلم للحزن.

ربما أيقنت الحقيقة فقط:

أن الحياة هشة،

وأن التعلق مؤلم،

لكن الهروب منه أكثر قسوة.

الشفاء لا يعني نسيان من رحلوا،

بل يعني أن نمنح أنفسنا الإذن بمواصلة الرحلة رغم غيابهم.

أن نكمل الطريق وقد أدركنا أن الفقد جزء من المسيرة، لا نهايتها.

وطالما ما زلنا نتنفس، فمن حقنا أن نفتح أبواب عالمنا للقلوب السويّة،

وأن نكسر السلاسل التي قيّدت أرواحنا داخل دائرة الوحدة،

و نختار الحياة، لا هروبا من الألم، بل وفاء لما تبقى فينا من بقايا حياة.

ريهام طارق

الصحافيه ريهام طارق
الصحافيه ريهام طارق

نبذة عن الكاتب:

ريهام طارق صحافية مصرية من أصول لبنانية، متخصصة في كتابة الأخبار الفنية والثقافية، وأجرت حوارات مع نخبة من أبرز نجوم الغناء والتمثيل في الوطن العربي، تشغل حاليًا منصب رئيس قسم الفن ومساعد رئيس التحرير بجريدة {أسرار المشاهير} في جمهورية مصر العربية.

بدأت مسيرتها المهنية من المملكة العربية السعودية عبر جريدة {إبداع}، في الرياض قبل أن تنتقل للعمل في عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى في الوطن العربي، منها جريدة {الثائر والمغرد} في لبنان، وجريدة {النهار} في المغرب، ومجلة {النهار} في العراق، ومجلة {المحور} في الكويت.

إلى جانب نشاطها في الصحافة الفنية، كتبت ريهام طارق مقالات تحليلية في مجالات السياسة الدولية وأسواق المال الأمريكية والأوروبية، كما تولت عضوية اللجنة الإعلامية في المهرجان القومي للمسرح المصري. وتقدم حاليًا محاضرات متخصصة في الصحافة في مسقط، عاصمة سلطنة عمان.

 

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.