«سجن النسا»… حين يتحوّل المسرح إلى مرآة لوجع المرأة
«سجن النسا»… حين يتحوّل المسرح إلى مرآة لوجع المرأة
✍️ بقلم: طه المكاوي
عرض تراجيدي يعيد قراءة المظلومية النسوية بلغة العصر
منذ اللحظة الأولى، لا يكتفي عرض «سجن النسا» برفع ستار المسرح، بل يفتح جرحًا غائرًا في الوعي الجمعي. بصوت «شفيقة» المطربة الشعبية، المشبع بالحزن والشجن، تُمهَّد الطريق أمام المتفرج للدخول إلى عالم نسائي مغلق، تتكثف داخله الحكايات، وتتشابه المصائر، وتغدو المأساة لغة مشتركة بين نساء جمعتهن الزنازين وفرّقتهن التفاصيل.

النص، الذي كتبته الكاتبة والمناضلة النسوية فتحية العسال، يستند إلى تجربة ذاتية عاشتها داخل سجن القناطر، لكنه يبتعد بوعي عن المباشرة السياسية، ليقدّم قراءة اجتماعية وإنسانية لقهر المرأة، بوصفه بنية ممتدة لا حادثة عابرة.
مدخل رقمي لواقع هش
يبدأ العرض بمدخل معاصر لفتاة تحاول اقتناص فرصة للثراء السريع عبر منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تنزلق هي وصديقتها إلى فخ إلكتروني يستغل الفتيات ويبتز أحلامهن.

مشهد لا يُستخدم للزينة الدرامية، بل يأتي كإشارة ذكية إلى تحوّل أدوات القهر، من الشارع والسوق، إلى الشاشة والهاتف المحمول، حيث يصبح الجهل بالحدود ثمنه سجنًا حقيقيًا.
لوحات نسائية من الألم
داخل السجن، تتوالى الاعترافات. عشر نساء، لكل واحدة قصة تبدو مختلفة، لكنها تنتهي إلى المصير ذاته. خيانة زوجية، غدر أقرب الناس،

اتهامات أخلاقية، مخدرات، قتل دفاعًا عن العرض، أو جنون مُفتعل للهروب من واقع خانق. اختار العرض بناءه على هيئة لوحات تراجيدية متجاورة، تمنح كل شخصية لحظة للبوح، دون أن تفقد المأساة طابعها الجمعي.
صفاء جلال… ثقل الخبرة وحضور النجمة
وسط هذا الزخم النسائي المتعدد، يبرز أداء الفنانة صفاء جلال بوصفه أحد أعمدة العرض وأكثره رسوخًا وتأثيرًا. لا تعتمد على الاستعراض أو المبالغة، بل تقدم أداءً هادئًا، عميقًا، مشبعًا بالخبرة، يجعل الشخصية التي تجسدها نابضة بالصدق الإنساني وقادرة على الإمساك بانتباه المتفرج منذ لحظة ظهورها.

تُجيد صفاء جلال اللعب على المساحات النفسية الدقيقة للشخصية؛ فتتنقل بسلاسة بين القهر والانكسار والغضب المكبوت، دون افتعال أو مباشرة. صوتها، وحضورها الجسدي، ونظراتها المختزلة، تتحول إلى أدوات تعبير واعية، تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تترك للمشهد أن يقول ما تعجز عنه الكلمات.

الأهم أن صفاء لا تؤدي دورًا منفصلًا عن السياق العام، بل تتحرك داخل النسيج الجماعي للعرض، فتمنح زميلاتها مساحة، وفي الوقت نفسه تحتفظ بثقلها الفني. حضورها يمنح العمل اتزانًا واضحًا، ويضيف بعدًا احترافيًا يربط بين أجيال مختلفة من الممثلات المشاركات في العرض.
إخراج يوازن بين القسوة والاحتفال
الرؤية الإخراجية لـيوسف مراد منير تميل إلى الاقتصاد في الزخرفة، والاعتماد على الإيقاع الداخلي للمشهد، مدعومة بموسيقى محمد عزت التي جاءت مكملة للحالة النفسية لا مهيمنة عليها. العرض، الذي تقدمه فرقة المسرح الحديث على خشبة مسرح السلام، ينجح في الحفاظ على توازن دقيق بين القسوة الدرامية ولمحات احتفالية عابرة، كأن الفرح نفسه مسجون داخل الجدران.
الجسد والذاكرة على خشبة واحدة
تتجلى قوة العرض في الأداء الجماعي لمجموعة كبيرة من الممثلات، يجمعن بين أجيال مختلفة وخلفيات أكاديمية متباينة، لكنهن يقدمن جسدًا مسرحيًا واحدًا. مشاهد الغناء والاستعراض، مثل «سبوع» رضيع إحدى السجينات أو الاحتفال بعيد الميلاد، لا تأتي كمفارقة شكلية، بل كصرخة حياة وسط الموت الرمزي.
ويظل مشهد «شفيقة»، راقصة شارع محمد علي التي تُسجن لقتل زوجها الخائن، من أكثر لحظات العرض كثافة وتأثيرًا، حيث تتقاطع الذاكرة الشعبية مع التراجيديا الاجتماعية في صورة واحدة.
مسرح يستعيد جمهوره
لا يطرح «سجن النسا» قضايا المرأة بوصفها شأنًا نسويًا معزولًا، بل باعتبارها مرآة لمجتمع كامل. ولعل اللافت في تجربة العرض هو إقبال جمهور من جيل «زد»، في دلالة على أن المسرح، حين يلامس أسئلة الحاضر، لا يزال قادرًا على استعادة جمهوره والتواصل مع أجيال جديدة.
في «سجن النسا»، لا تكون القضبان مجرد ديكور، بل استعارة كبرى لعلاقات اجتماعية تُحاصر النساء قبل أن تُدان أفعالهن. عرض يعيد الاعتبار لقوة النص، ووعي الإخراج، وصدق الأداء، ويؤكد أن المسرح، حين يُصغي جيدًا لوجع الإنسان، يظل أحد أكثر الفنون قدرة على مساءلة الواقع وفتح نوافذ للوعي… حتى من خلف الأسوار.
وتقدم فرقة المسرح الحديث عرض «سجن النسا»، من تأليف فتحية العسال وإخراج يوسف مراد منير، وبطولة صفاء جلال، رباب طارق، شريهان الشاذلي، آية أبو زيد، عبير الطوخي، صافي فهمي، شريهان قطب، ليلى مراد، إيريني مجدي، ساندرا مُلقي، زينة قُطري، ولاء الجندي، إكرامي وزيري، مع بطولة غنائية للفنانة هبة سليمان…

