عزيزة أمير.. “أم السينما” التي أنجبت أول فيلم مصري
عزيزة أمير: رائدة السينما المصرية وصاحبة أول فيلم مصري “ليلى”
كتب باهر رجب
في مساء يوم 16 نوفمبر 1927، شهدت قاعة سينما “متروبول” في القاهرة لحظة تاريخية لم تكن تعلم أنها ستصنع تراثاً سينمائياً سيظل محفوراً في ذاكرة الأمة العربية. كانت الليلة الأولى لعرض فيلم “ليلى”، أول فيلم مصري طويل، الذي أنتجته و بطلته عزيزة أمير، المرأة التي تحدت كل الصعوبات لتحقق حلمها وتصبح “أم السينما المصرية”. كانت عزيزة أمير نموذجا فذا للقوة والتصميم، تجسدت في مسيرتها مقولة الاقتصادي محمد طلعت حرب التي وجهها لها في ليلة الافتتاح: “حققت وأنت امرأة ما عجز عنه الرجال”.

النشأة والطفولة: من يتيمة إلى سيدة المجتمع الراقي
المولد والنشأة
ولدت عزيزة أمير، التي حملت اسم “مفيدة محمد غانم” عند ميلادها في 17 ديسمبر 1901 بمدينة دمياط وغير مثبت مدى صحه هذا فى اختلف الكثيرون إذا كان طنطا أو الاسكندريه ايضا. لم تكن طفولتها سهلة، حيث توفي والدها بعد ولادتها بخمسة عشر يوما فقط، لتعود أسرتها إلى الإسكندرية وتقضي طفولتها هناك قبل أن تنتقل إلى القاهرة وتستقر بالقرب من حي السيدة زينب.
التحول الثقافي
لم تكمل عزيزة أمير تعليمها المدرسي، لكنها عوضت هذا النقص بالتعلم الذاتي، حيث أتقنت مبادئ الموسيقى وحلمت بأن تصبح موسيقية، كما تعلمت اللغة الفرنسية التي فتحت لها آفاقا ثقافية واسعة. وكانت نقطة التحول في حياتها عندما التقت بشخصية سياسية وأدبية بارزة (يعتقد أنه قليني فهمي باشا) اهتم بتعليمها و تثقيفها، وأخذها معه في رحلات إلى أوروبا، حيث تعرفت على عالم المسرح والسينما، وبدأ شغفها الفني يتشكل.

البداية الفنية: من المسرح إلى السينما
الانطلاق في عالم المسرح
دخلت عزيزة أمير عالم الفن من بوابة المسرح، عندما انضمت إلى فرقة رمسيس المسرحية برئاسة يوسف وهبي في صيف عام 1925. وقد أعطاها يوسف وهبي دورا في مسرحية “الجاه المزيف” (أو “المجد الزائف” حسب بعض المصادر)، لكنها لم تستمر معه إلا موسما واحدا فقط. ثم تنقلت بين فرق مسرحية مختلفة، “شركة ترقية التمثيل العربي” وفرقة نجيب الريحاني، قبل أن تعود إلى فرقة رمسيس.
التحول إلى السينما
جاء التحول الحاسم في مسيرتها عندما أقنعها الفنان التركي وداد عرفي بدخول مجال السينما، حيث بدأ معا فيلم “نداء الله” الذي لم يكتمل، لتعيد عزيزة أمير إنتاجه وتحويله إلى فيلم طويل حمل اسم “ليلى”.

فيلم “ليلى”: الولادة التاريخية للسينما المصرية
قصة الفيلم
تدور قصة الفيلم حول فتاة بدوية تدعى “ليلى” (تلعب دورها عزيزة أمير) تنشأ في واحة هادئة قرب أطلال ممفيس القديمة. تتعرف ليلى على “رؤوف بك” الذي يعجب بها ويحاول التودد إليها، لكنها تفضل الشاب “أحمد” الذي أنقذها ذات مرة من “سالم” الذي حاول الاعتداء عليها. يتم خطبة أحمد وليلى، لكن الأمور تتغير عندما يلتقي أحمد بفتاة برازيلية سائحة تقيم في فندق قريب، فيقع في غرامها ويترك ليلى التي كانت حاملا منها. يكتشف أهل القرية حملها فتطرد ليلى، وعندما كانت تتجول في الصحراء، تصدمها سيارة يقودها رؤوف بك الذي يأخذها إلى منزله لتضع طفلها، لكنها تموت في النهاية.

إنتاج الفيلم وتحدياته
واجه فيلم “ليلى” العديد من التحديات التقنية والمالية، حيث تم تصوير المشاهد الخارجية بين الهرم و سقارة وشوارع القاهرة. وقد تم تحميض وطبع الفيلم في منزل عزيزة أمير نفسه الذي تحول إلى استوديو في شارع البرجاس بحي جاردن سيتي. وكشف الفيلم عن تصميم عزيزة أمير غير العادي، حيث استثمرت كل مدخراتها في هذا المشروع، متحدية آراء المحيطين بها الذين شككوا في نجاح فيلم تنتجه امرأة.

العرض الأول والاستقبال
حضر العرض الأول للفيلم نخبة من مثقفي و فناني مصر آنذاك، و أمير الشعراء أحمد شوقي، والاقتصادي محمد طلعت حرب، والموسيقار محمد عبد الوهاب. وقد عبر أحمد شوقي عن إعجابه بما قدمته عزيزة أمير قائلا: “فعلت ما عجز الرجال عن فعله”. ورغم أن الفيلم عرض لأسبوع واحد فقط، إلا أنه حفر اسم عزيزة أمير في تاريخ السينما المصرية كأول منتجة و مخرجة امرأة في العالم العربي.

الحياة الشخصية: بين الفن والعلاقات المعقدة
الحياة العاطفية و الزوجية
عرفت عزيزة أمير بحياة عاطفية غنية، وقد تزوجت عدة مرات. تزوجت أولا من أحمد الشريعي، عمدة سمالوط وأحد أثرياء الصعيد، واستمر زواجهما أحد عشر عاما قبل أن تبدأ الخلافات بينهما، خاصة بعد اكتشاف أسرة أحمد للزواج. وبعد طلاقها منه، تزوجت من شقيقه مصطفى الشريعي، لكنها طلقت منه أيضا بعدما اكتشفت أنه تزوج عليها سرا. وفي آخر زيجاتها، تزوجت من المخرج محمود ذو الفقار، و أنجبت منه ابنتها أميرة.
الشخصية والاهتمامات
كانت عزيزة أمير امرأة ذات فتنة طاغية وجمال مصري أصيل. تميزت برقتها و شطارتها في الوقت نفسه. وقد أوضحت في أحد حواراتها سبب تسميتها بأم السينما المصرية بقولها: “أنا لم أبحث عن أبناء من وراء الزواج لأن السينما هي ابنتي الوحيدة التي أنجبتها”.

المسيرة الفنية بعد “ليلى”
تطور الإنتاج السينمائي
بعد فيلم “ليلى”، واصلت عزيزة أمير مسيرتها السينمائية. حيث أنتجت فيلم “بنت النيل” الذي عرض في ديسمبر 1928. ثم فيلم “كفري عن خطيئتك” في 1933. وقد كبدها الفيلم الأخير خسائر كبيرة لأنه كان فيلما صامتا عرض في عهد الفيلم الناطق. لكنها استمرت في الإنتاج من خلال شركتها “إيزيس فيلم”. حيث أنتجت حوالي 25 فيلما كان آخرها فيلم “آمنت بالله” الذي عرض عام 1952.
التنوع الفني
لم تقتصر عزيزة أمير على الإنتاج والتمثيل السينمائي فقط. بل شاركت في التأليف والكتابة أيضا. حيث ساهمت في كتابة 16 عملا. “ابنتي” مع زكي طليمات (1944)، و”عودة طاقية الإخفاء” مع هاجر حمدي (1946)، و”قسمة ونصيب” مع تحية كاريوكا (1950).

التحديات والنجاحات
الصعوبات المالية
واجهت عزيزة أمير العديد من التحديات المالية في مسيرتها. بعد الفيلم الصامت “كفري عن خطيئتك” الذي عرض في عصر الأفلام الناطقة. مما كبدها خسائر فادحة. لكنها استطاعت النهوض مرة أخرى بفيلم “بياعة التفاح” عام 1939. واستمرت في الإنتاج حتى أوائل الخمسينات.

الإرث والنقد
عبرت عزيزة أمير عن سعادتها بنجاح السينما المصرية في إحدى المؤتمرات السينمائية عام 1936 بقولها: “يكفيني فخرا يا حضرات السادة أن صناعة السينما قد تقدمت هذا التقدم الكبير. وأن أكون أنا الضحية و القربان”. وقد استغرقت في البكاء بعد هذه الكلمات. مما يعكس حجم التضحيات التي قدمتها في سبيل صناعة سينمائية مصرية.

الوفاة والإرث
توفيت عزيزة أمير في 28 فبراير 1952 عن عمر ناهز 51 عاما. وكان آخر أفلامها “آمنت بالله” الذي عرض بعد وفاتها في نوفمبر 1952. حيث وضعت باقة زهور كبيرة في مكان البطولة الراحلة أثناء العرض.
ورغم دورها التأسيسي في السينما المصرية. فإن أفلامها الصامتة الأولى غير موجودة في المكتبة السينمائية المصرية. كما أن العديد من أفلامها الناطقة لم يعاد عرضها على التلفزيون العربي. لكن تظل عزيزة أمير رمزا لتحدي المرأة العربية و تأسيسها لصناعة سينمائية استطاعت أن توحد العرب بلغة فنية مشتركة. كما قال أحد النقاد: “السينما التي أسهمت طوال عقود تالية. ليس فقط في الترفيه عن المتفرجين العرب. بل كذلك في خلق ما يمكننا اليوم أن نسميه ‘طبيعة ثانية’ لدى المتفرجين”.
