مصر تطلق مشروعات رائدة للكشف المبكر عن الأمراض باستخدام الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا جديدة للصحة والتنمية البشرية في مصر
كتب باهر رجب
في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم، برز الذكاء الاصطناعي كأحد أهم الأدوات التي تعول عليها الدول لتحقيق نقلة نوعية في مختلف القطاعات، وكانت الصحة من أبرز المجالات التي استحوذت على اهتمام كبير في هذا الصدد. في هذا الإطار، شهدت فعاليات النسخة الثالثة من المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية البشرية (PHDC’25) كلمة مهمة للدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، كشف خلالها عن رؤية مصر و استراتيجيتها لدمج الذكاء الاصطناعي في المنظومة الصحية، خاصة في مجال الكشف المبكر عن الأمراض.

مؤتمر يستشرف المستقبل
انعقد المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية البشرية برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحت شعار “تمكين الأفراد، تعزيز التقدم، إتاحة الفرص”، وذلك خلال الفترة من 12 إلى 15 نوفمبر الجاري بعد أن تم تأجيله لمدة 48 ساعة بسبب تزامنها مع الانتخابات البرلمانية. وشهدت فعاليات المؤتمر جلسة حوارية بعنوان “تسخير الذكاء الاصطناعي لخدمة التنمية البشرية: الفرص والتداعيات في مصر والمنطقة العربية”، بحضور الدكتور خالد عبد الغفار نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، وبمشاركة السيدة تشيتوسي نوغوتشي الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بمصر، والدكتور ماجد عثمان وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق، والدكتورة سميرة التويجري كبيرة خبراء السكان والتنمية في البنك الدولي، و أدارت الجلسة الدكتورة عبير شقوير مساعدة الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مصر .
رؤية استراتيجية للذكاء الاصطناعي
كما أكد الدكتور عمرو طلعت في كلمته حرص الدولة على بناء منظومة وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي الذي أصبح قاسما مشتركا لكل قطاعات الدولة، مشيرا إلى جهود الدولة التي بدأت بإعداد النسخة الأولى من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي في 2019، وتأسيس المجلس الأعلى للذكاء الاصطناعي الذي يضم كافة الجهات ذات الصلة من جهات حكومية وقطاع خاص ومجتمع مدني .
كما شدد الوزير على أهمية بناء وعي مجتمعي حول أهمية هذه التكنولوجيا وفوائدها والمخاطر الناجمة عنها، موضحا أن الذكاء الاصطناعي ليس منافسا للإنسان ولكنها أداة مساعدة له لتعزيز الكفاءة الإنتاجية، وهو توجه استراتيجي تتبناه الدولة لتحقيق الاستفادة القصوى من هذه التقنيات دون إغفال الجوانب الإنسانية .
الذكاء الاصطناعي في خدمة الحياة: مصر تطلق أول منظومة للكشف المبكر عن سرطان الثدي
تطبيقات طبية ثورية
كذلك كشف الدكتور عمرو طلعت عن تنفيذ عدد من المشروعات لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الكشف المبكر عن عدد من الأمراض ومن بينها اعتلال الشبكية السكري، وسرطان الثدي، و الجلوكوما، مشيرا إلى أن هذه المنظومات تسهم في اكتشاف الأمراض في مراحلها الأولى مما يتيح فرصا أفضل للعلاج وعلى نحو أكثر كفاءة .
كما أوضح الوزير أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الطبيب ولكنه معاون ومساعد له يعمل على تحليل ملايين الصور الناتجة عن حملات الكشف الطبي التي تجريها وزارة الصحة في مختلف أنحاء الجمهورية، لانتقاء الحالات التي يحتمل إصابتها بالمرض لكي تخضع للدراسة من قبل الطبيب، مما يسهم في رفع إنتاجية الأطباء وزيادة كفاءة وفاعلية هذه الحملات .
الدمج بين الذكاء الاصطناعي والتشخيص عن بعد
كما أشار الدكتور عمرو طلعت إلى التنسيق المستمر مع وزارة الصحة والسكان لاستخدام تكنولوجيا المعلومات و تطويعها لخدمة قطاع الصحة من خلال عدة مشروعات، أبرزها مشروع التشخيص عن بعد الذي تم إطلاقه بالتعاون بين وزارات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والصحة، والتعليم العالي، لتمكين أهالي القرى والنجوع من الحصول على خدمات صحية من خلال الربط التكنولوجي للوحدات الصحية في هذه المناطق بوحدات مركزية في المستشفيات الجامعية والمستشفيات التابعة لوزارة الصحة .
وبين الوزير أنه يتم حاليا دراسة إمكانية دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي بهذه المنظومة بهدف الاستفادة من قدرات هذه التقنيات في دعم جهود الكشف المبكر عن الأمراض، مما يعكس التكامل بين مختلف المبادرات التكنولوجية التي تنفذها الدولة .
حوكمة البيانات وتوازن التشريعات
كذلك شدد الدكتور عمرو طلعت على أهمية حوكمة تداول البيانات لضمان حماية خصوصية بيانات المرضى، مؤكدا أن النسخة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي التي أطلقت في مطلع العام الجاري تتبنى سياسة متوازنة في هذا الشأن، تقوم على عدم الإفراط في فرض قيود قد تعرقل مسار تطور الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه عدم التفريط في خصوصية بيانات المواطنين وحمايتها .
بنية تحتية داعمة واستثمار في البشر
كما أوضح الوزير أهمية توفير البنية التحتية المعلوماتية التي تشمل الحواسب والمعالجات المخصصة في استخدامات الذكاء الاصطناعي. مشيرا إلى أن الدولة لديها بنية تحتية رقمية تساعد على إنتاج تطبيقات باستخدام الذكاء الاصطناعي. وجاري العمل على التوسع في اقتناء إمكانات جديدة وتأسيس بنية تحتية معلوماتية مخصصة للذكاء الاصطناعي. وتخصيص بعض مواردها للقطاع الخاص والشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة أيضا. لدفع عجلة التقدم في مختلف قطاعات الدولة.
كما أكد الدكتور عمرو طلعت أهمية صقل مهارات الشباب وتمكينهم من اكتساب مهارات التعلم المستمر وتطوير مصفوفة مهاراتهم على نحو يعزز قدرتهم على المنافسة في سوق العمل، مضيفا أن سوق العمل والمهارات يتأثر بانتشار استخدامات الذكاء الاصطناعي إذ تراجعت بعض الوظائف في حين خلقت وظائف جديدة وازداد الطلب عليها .
رؤية مستقبلية واعدة
من جانبها، أشارت تشيتوسي نوغوتشي. ممثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بمصر. إلى تفاؤل المجتمع المصري بدمج الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية والمهنية. مشيرة إلى أن استخدامه يتراوح حاليا بين 5-11% في القطاعات الأساسية “الصحة. العمل، التعليم”، مع توقعات بارتفاعه إلى 58-66% العام المقبل. ما يعكس زخما قويا لتعزيز الكفاءة وتطوير الخدمات .
بدوره، أكد الدكتور خالد عبد الغفار أن الذكاء الاصطناعي يحقق المساواة. في الوصول إلى الخدمات الطبية عبر التطبيب عن بعد للمناطق النائية. والتشخيص الدقيق مما يقلل الفجوات ويضمن رعاية مناسبة لكل مواطن. كما يستخدم في إدارة القضية السكانية من خلال تحليل التنوع الديموغرافي. لدعم الاستراتيجية الوطنية للسكان .
خاتمة
علاوة على ذلك تمثل الرؤية التي قدمها الدكتور عمرو طلعت في المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية البشرية. إطارا متكاملا لاستغلال الذكاء الاصطناعي في تعزيز المنظومة الصحية. من خلال مشروعات ملموسة في الكشف المبكر عن الأمراض. واستراتيجيات واضحة في بناء البنية التحتية والتشريعات الداعمة. واستثمار في العنصر البشري. مما يمهد الطريق لمستقبل واعد حيث تصبح التكنولوجيا خادما للصحة والرفاهية للإنسان المصري. وتحقيق أهداف التنمية البشرية المستدامة التي تضعها الدولة نصب عينيها.
