منتصف شعبان بين توجيه القلوب واستقبال رمضان المبارك

وعلى مقربة من منتصف شعبان يتوقف الزمن الذي لا يبدو عابرًا كما اعتدناه، بل يتأنّى كأنه يريد أن يُسمِعنا درسًا قديمًا لا يشيخ. في هذا التوقيت الذي تتصافح فيه الليالي بأسرارها، نستحضر حادثة لم تكن عابرة في تاريخ الإسلام، بل كانت فاصلة في تشكيل الوعي والهوية؛ فتحويل القبلة لم يكن حدثًا فقهيًا فحسب، ولا انتقالًا مكانيًا مجردًا، بل كان إعلانًا ربانيًا بأن للأمة اتجاهها الخاص، وبأن القلوب التي اختارت الله وجهة، لا تتردد في صدقها حين يأتي الأمر بذلك

بقلم: د. رحاب أبو العزم

تقلب الوجه وصدق الشوق

{قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} آية قصيرة، لكنها مشبعة باللطف الرباني والمعية الإلاهية، تكشف لنا أن الله تعالى لا يسمع الدعاء المنطوق فحسب بل يرى الشوق الصامت، والرجاء الذي يسكن الملامح قبل الكلمات.
إن تطلع النبي ﷺ إلى السماء انتظارًا لأمر الله حبًا وامتثالًا يحمل الدلالة العظيمة على الفرق بين من يطلب لأنه يريد، ومن ينتظر حسن الظن بالله، إنه شوق العبد الذي يعلم أن ربه لن يخيّب قلبًا صادقًا.

التحول في منتصف الصلاة

وأن على العبد الانتظار لقدر الله إيمانًا بأقداره وبمواعيدها كي يتمكن من الطاعة الخالصة
لم يكن تحويل القبلة قرارًا مؤجلًا، بل جاء في منتصف الصلاة، في لحظة اتصال كامل للأبدان والأرواح بين الأرض والسماء، والله تعالى قادر أن يكون التحول بعد السلام، أو في يوم لاحق، لكن الحكمة شاءت أن يكون التحول فورًا، ليعلّمنا الله أن الطاعة لا تعرف التأجيل؛ فاستدار الصف كله بلا نقاش، بلا ارتباك؛ أبدان تتحول، لكن القلوب كانت قد استدارت قبل ذلك بكثير. هكذا تُبنى الأمم المؤمنة؛ بالاستجابة الفورية وليست بالمساومة، وبالسمع والطاعة وليس بكثرة السؤال الذي يفتح للشيطان بابًا للسيطرة على عقيدتنا. إن الله عز وجل أحيانًا قد يختبر الثبات بالتغيير في حين أن البعض قد يظن بأن الثبات يعني البقاء على حال واحد، لكن تحويل القبلة جاء ليصحح هذا الفهم؛ فالثبات الحقيقي هو الثبات على طريق الله تعالى وإن تغيّرت الاتجاهات، وتبدلت الوسائل، وانقلبت المألوفات.

التحول إلى الكعبة اختبار خفيّ

فإن من يعبد الله طاعة لأنه الله عز في ملكوته سيُطيع ربه حيثما وُجِّه.
ومن تعلّق بالشكل لا بالمضمون، سيتعثّر عند أول تغيير، وهكذا تُفرَز القلوب؛ ليس بما تقول، بل بما تفعل عند الاختبار. في منتصف شعبان، ونحن نستعيد هذا الحدث، لا بد أن نسأل أنفسنا:
كم قِبلة في حياتنا لم تعد تقودنا إلى الله؟ كم وجهة ظنناها صوابًا لأنها مألوفة، لا لأنها حق؟ وكم نهي إلاهي أو نبوي نصر على فعله لأننا ألفناه؟

تحويل القبلة هو إعادة البوصلة

إن مراجعة النيات، وتصحيح المقاصد، وعودة المفاهيم لحقيقتها، هي الخطوات المستنيرة لتحويل اتجاه قلوبنا -وإن ألفناه- إلى ما يحبه الله ويرضاه فعلينا السمع والطاعة. إن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة يعني التحول من التبعية إلى الهوية؛ من اتباع ما اعتاد عليه الآباء إلى الهوية التي يرضاها الله لنا فهي الإعلان المباشر الواضح عن استقلال الهوية الإسلامية، وأن هذه الأمة لا تتبع إلا الوحي، ولا تستمد اتجاهاتها إلا من السماء فالكعبة المشرفة لم تكن مجرد بناء، بل رمز العهد بيننا وبين النبوة، ومركز توحيدنا بالله تعالى، ونقطة التقاء القلوب قبل الأبدان ولذلك منذ ذلك اليوم صار للمسلمين وجهة واحدة تتجه إليها الأبدان مهما تفرقت بهم السبل، وتتجه إليها القلوب خاضعة لله وحده مهما أبهرها المال وملذات الدنيا.

شهر شعبان موعد تصحيح الاتجاه

وحيث تُرفع الأعمال في شهر شعبان وتتهيأ القلوب لقبول عملها نقف وقفة صدق مع أنفسنا لنعيد النظر في اتجاهاتنا، ونراجع قِبلة قلوبنا، ونسأل الله أن لا يجعلنا ممن يتجهون بأجسادهم إليه سبحانه وتتيه قلوبهم في غيره، ونجاهد أنفسنا أن تتوجه لبارئها تائبة خاضعة مستسلمة لأوامره منتهية بنواهيه لا تتكبر ولا تستحل الحرام لتحله وألا يكون لها مقصدًا غير رضا الله تعالى؛ فإن كانت القبلة قد تحوّلت يومًا بأمر الله، فالقلوب أولى أن تتحوّل إليه كل يوم استعدادًا للشهر المبارك وتدريبًا لها كي تصبح قلوبًا رمضانية في جميع أيام العمر.

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.