وائل جنيدى يكتب…السباق نحو الحضِيض
السباق نحو الحضِيض
وائل جنيدى
بسم الله الرحمن الرحيم
منذ نكبة ١٩٤٨م، وحتىٰ يومنا هذا والأمة تتلقىٰ الصفعات وتبتلع مرارة الهزائم مرة تلو المرة، حتىٰ لم يعُد في نفوس الناس بقية من شِمم العروبة الأولىٰ ولا كرامة الرعِيل الأول من فُرسان الفُتوح، لكن ظلت دائمًا في الزوايا خبايا وفي النفوس بقايا.
فقد كانت الدول العربية متكاتفة موحده تعتنق القضية الأولىٰ لأمة العرب وهي فَلسطين، فإن لم يكن لدولة هنا أو هناك صِراع عسكري مع العدو الصِهيوني ودولة الإحتلال كان مجاهدًا في ذاتِ القضية بماله أو بتروله أو بموقفه السياسي (علىٰ افتراض أن لدىٰ العرب سياسة) حتىٰ قامت حرب ٧٣ واتحد العرب خلف مِصر بكل ما آتاهم الله من قوة في كل مجال، وقدم الجميع ما يستطيعون فإذا عز السلاح أرسلوا الأموال وإن عزت تقاسموا مع الجيوش المحاربة أقواتهم أو ابتهلوا لله بالدعاء بالنصر.
ولم تكن تجد عربيًا يُخالف في عداوة الصهاينة وعصاباتهم وحُب فلسطين والفلسطينيين إلا من ثبتت عليه الخيانة بلا خلاف، ثم كانت أول بذور الفرقة مع إتفاقية كامب ديفيد وإجبار مِصر علىٰ التطبيع مع الكيان المُحتل، وهو ما عارضه العرب عامتهم وقتها حتىٰ وصل الأمر لقطيعة طويلة الأمد بين الإخوة لكن مِصر والحكومة والاتفاقيات ليست هي، فمِصر الشعب فلم ولن تنسىٰ الثكالىٰ من أبنائها ممن ذرفت دماءهم فداء للوطن عن طيب خاطر ودفاعًا عن الأرض والعرض.
وظل العدو كما هو لا تغيره معاهده ولا يطبعه في نفوس الناس تطبيع، ثم تطاول الزمان وبردت الدماء الحارة وخفت نواح الأرامل واستراحت دماء الغضب في العروق، لكن القضية ظلت كما هي تُلهب القلوب وتُرهق العقول وتُزعج الضمير علىٰ الرغم من بعض أشكال التطبيع التي ظهرت علىٰ استحياء هنا وهناك لكنه ظل منبوذًا محتقرًا من الجميع حتىٰ أن المطبعين كانوا يخجلون من إعلان تطبيعهم وتغليفه بتبريرات كثيرة لم يتقبلها العقل الجمعي العربي.
حتىٰ أتانا عصر الريادة الجديد وهو يرتدي عباءة النفط وأموال البترول وإقتصاد بيع رحم الأرض لتقوم بين العرب فلسفات جديدة كانت منذ سنوات قليلة مُهلِكة لمن يتجرأ علىٰ التلميح بها، فصارت فلسطين قضية يمكننا أن نتفاوض حولها بشئ من المرونة ونُناور بشأنها كورقةِ قمار لا بأس من خسارتها حتىٰ وصلنا لعصر الرده الجديدة وإنكار القضية الفلسطينية برمتها واستبدالها بالسلام الدافئ جدًا مع عدو الأمس العتيد.
فتجرأ العدو علىٰ المقدسات بشكل أكثر سفورًا ولم تعد غطرسة القوة هي الحافز الآن، لا بل استنادًا إلىٰ الدعم العربي الراغب في محو العار بقتل الضحية، وكُنا نرقب بعض قرارات التطبيع الجديدة في حذر ظنًا أنها مجرد تجارة من طبيعتها التحرر من القضايا الكبرىٰ وآلام الضمير، لكن الأمر لم يكن كذلك بل كانت دياثة سياسية ووثنية إجتماعية وأدبية فاحشة، فقد اقتحمت قوات العدو الصهيوني المسجد الأقصىٰ وعاثت في المعتكفين ضيوف الرحمن تنكيلًا ودنسوا المسجد المقدس ولم يُحرك الضمير العالمي ساكنًا وهذا دأبه، ولا جديد فيه لكن الجديد أن ترىٰ رجالًا بلسان عربي غير فصيح يكيلون الإتهامات للمعتكفين بأنهم هم الأوغاد الذين ازعجوا سلام الإسرائيليين وارهقوهم بأصوات الدعاء في صلاتهم.
فنقرأ تصريحًا من خارجية بعض الدول حديثة العهد بالتطبيع، أن المرابطين في الأقصىٰ هم من أتوا أمرًا شديد البشاعة لأنهم (احتموا بالمسجد) خيبكم الله، فقامت خارجية دولة أخرىٰ أن المرابطين يستحقون أكثر من هذا وعلىٰ حكومة الإحتلال أن تؤدبهم لأنهم أشعلوا بعض الألعاب النارية وقد زادوا في غيهم بأن علت أصواتهم بالتلاوه والتهجد في ليالي رمضان.
ولا غرابة فقد صار القوم يتسابقون إلىٰ استرضاء إسرائيل وربما غدًا يتزاحمون أمام حائط المبكىٰ، تعلو رؤسهم قبعات الكيباه اليهودية الشهيرة وتنتقل جامعة الدول العربية الى مقرها الجديد في تل ابيب، فقد كنا دائمًا نعلم أن بعض أحفاد ابن سلول يجلسون علىٰ عروش العرب لكنهم كانوا يبدون للناس خلاف ما يعتقدون.
ولكن الآن صار الأمر واضحًا كالشمس بل صارت العروبه تقريبًا مرادفًا للدياثة عند بعض أولياء الأمر في بلاد العرب، لكن الأمة العربية والإسلامية لا تستباح بيضتها ولا تستكين استكانة الغانيات لفعل القبح والشناعة راضية.
إن أرض العرب تثمر وستظل تثمر جيلًا من بعد جيل وسيكون هؤلاء الصهاينة الجدد مسخرة التاريخ ومذمة الأجيال القادمة،
ألا ينظر هؤلاء إلىٰ التاريخ نظرة عابرة ليعلموا أي منقلب سينقلبون؟
لكن سلط الله عليهم أنفسهم فكفروا بالقضية بعد إيمان وارتدوا ثوب الذل بعد ما البسهم الله سابقًا ثوب العزة، وكان مثلهم كمثل الذي أتاه الله آياته فإنسلخ منها ولو أراد الله لرفعه بها ولكن أخلد إلىٰ الأرض ولا حول ولا قوه إلا بالله.
اللهم كن مع أهل فلسطين فليس لهم غيرك أحد وأصلح أحوالنا وانصرهم بأيدينا وأيديهم ونقي أمتنا من الخبث وانتقم اللهم من أتباع الشيطان من العرب والعجم، ونسأل القارئ الكريم الدعاء في أيامنا المباركة هذه.
والسلام
