بين الفكر والتنظيم: داخل مشروع 2029 الذي يُعد مستقبل الحكم الديمقراطي
بين الفكر والتنظيم: داخل مشروع 2029 الذي يُعد مستقبل الحكم الديمقراطي
✍️ بقلم: طه المكاوي
في وقت لم تلتقط فيه السياسة الأمريكية أنفاسها بعد انتخابات 2024، أطلق التيار الديمقراطي واحدة من أكثر مبادراته طموحًا تحت عنوان «مشروع 2029»، في إشارة واضحة إلى أن معركة البيت الأبيض المقبلة لا تُدار فقط عبر الحملات الانتخابية، بل تبدأ مبكرًا من غرف التفكير وصياغة الرؤى بعيدة المدى.
المبادرة، التي أعلنت بدء نشاطها الرسمي، تمثل محاولة منظمة لإعادة بناء المشروع الديمقراطي بعد إدارة الرئيس جو بايدن، عبر إعداد أجندة سياسية متكاملة تمهّد لعودة الحزب إلى السلطة في انتخابات 2028، وتعيد تعريف أولوياته في ظل عالم متغير وتحديات داخلية متراكمة.
من رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي
يُنظر إلى «مشروع 2029» بوصفه تحوّلًا نوعيًا في طريقة تفكير الحزب الديمقراطي، حيث يسعى إلى الانتقال من إدارة الأزمات وردود الفعل السياسية إلى منطق التخطيط الاستباقي، مستفيدًا من دروس التجربة المحافظة التي اعتمدت، خلال العقود الماضية، على خطط جاهزة مكّنتها من التحرك السريع فور وصولها إلى السلطة.
وفي هذا السياق، يأتي تعيين تشاد مايزل مديرًا تنفيذيًا للمبادرة ليعكس هذا التوجّه التنظيمي، إذ لا يقتصر دور المشروع على إنتاج أفكار نظرية، بل يهدف إلى بناء جسر فعلي بين التفكير السياسي وصناعة القرار.
تشاد مايزل… حلقة الوصل بين الفكر والسلطة
يمتلك مايزل سجلًا مهنيًا ثريًا داخل مؤسسات الحكم، حيث شغل مناصب مؤثرة في مجلس السياسة الداخلية بالبيت الأبيض خلال إدارة بايدن، كما عمل مستشارًا لعدد من القيادات الديمقراطية في الكونغرس. هذه الخلفية تمنحه قدرة نادرة على ترجمة الأفكار إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وهو ما يمثل أحد عناصر القوة الأساسية في المشروع.
وقد أكد مايزل أن «مشروع 2029» لا ينحاز إلى جناح بعينه داخل الحزب، بل يسعى إلى احتضان التعددية الفكرية التي تميّز الديمقراطيين، في محاولة لتجاوز الانقسامات الداخلية التي أضعفت الحزب في محطات سابقة.
أجندة شاملة لمرحلة ما بعد بايدن
بحسب ما أُعلن، يعمل المشروع على إعداد عشرات المقترحات التفصيلية في ملفات محورية، تشمل الاقتصاد، والهجرة، والعدالة الاجتماعية، والسياسة الخارجية، على أن يتم الكشف عن أول حزمة من هذه المقترحات في مارس 2026.
ولا تقتصر أهمية هذه الأجندة على مضمونها السياسي فحسب، بل تكمن أيضًا في كونها محاولة لإعادة صياغة الخطاب الديمقراطي بما يتلاءم مع تحولات المزاج العام الأمريكي، وتنامي النزعات الشعبوية، وتصاعد القلق الاجتماعي والاقتصادي لدى قطاعات واسعة من الناخبين.
ورشة تفكير جماعي خلف الكواليس
يشارك في «مشروع 2029» نحو 200 خبير وباحث ضمن فرق عمل متخصصة، في نموذج أقرب إلى “ورشة تفكير وطنية” تعمل بعيدًا عن الأضواء، على أن يتم لاحقًا الإعلان عن لجنة استشارية تضم شخصيات سياسية وأكاديمية بارزة.
هذا الزخم التنظيمي يؤشر إلى أن السباق نحو البيت الأبيض قد بدأ فعليًا، ولكن هذه المرة من خلف الكواليس، حيث تُصاغ الأفكار وتُبنى التحالفات قبل أن تظهر الشعارات على المنصات الانتخابية.
دلالة أوسع لمستقبل الديمقراطية
في جوهره، لا يمثل «مشروع 2029» مجرد مبادرة حزبية، بل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحكم الديمقراطي في القرن الحادي والعشرين لم يعد قائمًا فقط على الفوز بالانتخابات، بل على امتلاك رؤية فكرية واضحة، وهيكل تنظيمي قادر على تحويل هذه الرؤية إلى سياسات مستدامة.
وبين الفكر والتنظيم، يحاول الديمقراطيون عبر هذا المشروع الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن للديمقراطية أن تستعيد قدرتها على الإقناع والحكم في عالم مضطرب؟
الإجابة، كما يبدو، تبدأ مبكرًا… قبل سنوات من يوم الاقتراع.
