الذاكره المصريه لاتكتفي برائحة واحده

 

بقلم : على امبابي

 

كثيراً ما يعاتبني بعض الأصدقاء  قائلين: 

انني اعيش في زمن مغاير للواقع ، واتشدق بمفاهيم ليس لها وجود فى عالمنا المعاصر والحقيقة يا سادة أنني لا أهرب من واقعنا، ولا أتنكر لحاضرنا المعقد.

أنا فقط أعى ، تماماً كما يؤمن  الفلاح المصري الأصيل، أن الشجرة التي لا تضرب جذورها ابعد عمق في طين الأرض،

فإن من الوارد والمقبول جدا ان أول عاصفة قوية سوف تقتلعها .

 

مسكنات طبيعية 

 

نحن لا نكتب عن الماضى سواء كان ماضي بعيد أو ماضى قريب لكي نعيش حاله من الحزن والرثاء ، أنه مجرد زمناً ولّى وانتهى،

بل لنبحث في خزائننا  القديمة عن “مسكنات” طبيعية لأوجاع يومنا الحاضر،

ولنسترد بوصلة الدفء التي أسقطناها سهواً في لهاثنا اليومي. الماضي ليس تاريخاً دُفن في الكتب،

بل هو “حالة” كامنة في خلايانا، جاهزة للاشتعال في أي لحظة.

يقولون أن عصب الشم هو العصب الوحيد الذي يذهب مباشرة إلى مركز الذاكرة والمشاعر في الدماغ. ربما لهذا السبب تحديداً، لا يمكنك أن تجادل رائحة.

الرائحة لص نبيل، يتسلل من شقوق الأبواب المغلقة ليختطفك، ويلقي بك في قلب زمن مضى وانقضى.

 

تخيل معي رجلاً في الستين من عمره، يسير بخطى ثقيلة على رصيف أسفلتي بارد تحيط به الحياة المعاصرة، وضجيج سيارات يبتلع ما تبقى من هدوئه النفسي.

 

البيت لايزال آمنا 

 

فجأة، ومن شباك في إحدى البنايات القديمة، فى يوم جمعة بطقوس الصلاة الجامعه ، 

يتسرب إليه ذلك المزيج الكيميائي الساحر، رائحة سمن بلدي يذوب في مقلاة، يعانق ثوماً مهروساً وكزبرة جافة. إنها “طشة الملوخية”.

تلك الرائحة لم تكن يوماً مجرد إعلان عن وجبة غداء؛ بل كانت احداثيات الأمان، الوثيقة غير المكتوبة التي تؤكد أن البيت لا يزال دافئاً.

ولأن الذاكرة المصرية لا تكتفي برائحة واحدة، فإن هناك عطوراً أخرى تمتلك قدسية خاصة،

عطوراً لا تُباع في زجاجات فرنسية أنيقة، بل تتصاعد من طقوسنا التي شكلت وجداننا.

 

وبنفس القدسية والدفء، يطل صباح الأحد ليطرق أبواب الروح؛ حيث رائحة القربان الطازج المخبوز للتو والتي تتسلل من فناء الكنيسة العتيقة لتعانق الشوارع ، 

يترافق هذا المزيج مع دقات الأجراس، وألحان القداس وترانيم مدارس الأحد،

أو تلك النبرة العميقة الهادئة للبابا شنودة التي كانت تنبعث من شرائط الكاسيت وتجمع العائلة حولها.

هدنه اجباربه

 

كلا المشهدين، يوم الجمعة ويوم الأحد، لم يكونا مجرد طقوس دينية عابرة، بل كانا هدنة إجبارية من طواحين  الأسبوع وتعب الأيام.

كانا حصناً عائلياً واسعاً يمسح عناء الكدح، ويؤكد للقلوب المتعبة أن المحبة باقية، وأن هناك دائماً مساحة للرجاء والسلام.

 

نحن لا نشتاق إلى الملوخية كطعام، ولا إلى البخور كعطر، ولا إلى القربان كمخبوزات. نحن نشتاق إلى النسخة الأقدم منا.

نشتاق إلى ذلك الشعور المطلق بالخفة، حين كانت همومنا لا تتجاوز حدود واجب مدرسي مؤجل،

أو خدش في الركبة من لعب الكرة في الشارع.

في زحام واقعنا الحالي القاسي والمادي، المليء بالقلق من الغد وحسابات البنوك وفواتير الكهرباء، تقف هذه الروائح كتعويذة سحرية.

إنها الخندق الأخير الذي نحتمي فيه، والكفيلة بأن تربت على كتف رجل متعب، وتهمس في أذنه بيقين:

“لا تقلق , غداً سيكون أفضل.”

 

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.