سارق التفاحة وفن الهروب الانيق

 

مقال: شاهيناز خفاجي

سارق التفاحة .. تحكى القصة انه في سالف العصر والأوان جلس هارون الرشيد في ليل ينسدل حوله كستار، وامامه صندوق اخرجوه من البحر، وقد وجد به جثة شابة جميلة مقتولة؛ فيأمر الملك وزيره جعفر بالكشف عن الجاني والا كانت راسه ثمنا للتأخير، يسابق جعفر الزمن ليكشف الجاني، ولكنه حين يفشل ويستعد ليضع راسه على المقصلة، يحضر شاب بائس الى ديوان الملك للاعتراف بأنه هو من قتل زوجته ظنًا منه أنها قد خانته مع احد العبيد، ويعيد الملك الكرة ويعود جعفر للبحث ليكتشف ان العبد يسكن في بيته وانه قد سرق تفاحة الأمير وباعها لتلك الشابة، وقد اخبر العبد الناس بان التفاحة كانت هدية السلطان وانه قد أعطاها لحبيبته، فكانت التفاحة المسروقة هي الشرارة التي بدأت بها المأساة.
ويا للأسف شيئا صغيرا قد حمل في داخله مصيرًا مظلمًا، وهكذا نحن نفعل بأنفسنا في كل يوم، ففي قصة العبد كان الخوف والظن هو السبب الخفي وراء المأساة، وقد قتل الشاب زوجته بخوفه من الخيانة وبظنه بأن التفاحة هي الدليل.


وهذا ما يفعله معظمنا حين يتلبسنا الخوف والظن ونبدأ رحلة الهروب الانيق التي يظنها البعض فنا، حين نؤجل مواقفنا التي يجب ان نعلنها وقراراتنا التي يجب ان نتخذها، حين نهرب من انفسنا ومسئوليتنا، بقصد أحيانا وبدون قصد في معظم الاحيان، فربما لا يظهر خوفنا جليا لنعترف به، ولكنه يتخفى في عقولنا كرغبة في المماطلة نعطيها حجج منطقية حتى نخدع أنفسنا فنقول “ليس الآن” كلمة تبدو بسيطة، ولكنها قد تجر وراءها سلسلة طويلة من الخسائر والندم والنتائج التي لم نتوقعها، حين نكتشف ان المماطلة قد سرقت اعمارنا ونحن نصدق ان “المهمة صعبة” او اننا “لم نستطيع” بينما الحقيقة أن السبب كان مجرد خوف متنكر في شكل “مماطلة” تلك الخدعة التي كان من الممكن كسرها بفعل صغير. ففي جانب آخر من القصة تقف إرادتك كعضلة ذهنية تحتاج إلى التدريب لتقوى وتزداد صلابة، حيث ان هذه الارادة لا تُبنى بالكلمات بل بالفعل الصغير المتكرر، حين نقرر أن نخطو برغم الخوف بحرية – ولا تعني الحرية هنا غياب الخوف – بل تعنى القدرة على التحرك رغم وجود الخوف، لنكتشف ربما بعد فوات الأوان أن الخوف كان أكبر في الخيال مما هو في الواقع.

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.