سحر التلاوة الحيّة وتجليات الإعجاز القرآني في برنامج “دولة التلاوة”

 

بقلم / إيمان سامي عباس

 

سحر التلاوة….أتابع بعمق وشغف كبير برنامج “دولة التلاوة” الذي يُشرف عليه فضيلة الدكتور أسامة الأزهري والشركة المتحدة، وهو من أجمل وأرقى النسخ الحديثة في عالم المسابقات القرآنية العالمية. أشعر وأنا أتابعه أنني بين أهل القرآن، مستمعًا وقارئًا، تملأني فيوضات الجمال والجلال، وتغمرني لحظات نورانية ترتجف لها القلوب وتسمو بها النفوس إلى عليين، كأنها تسافر فوق سحائب من نور.


تجربة روحانية تبث الحياة في معاني القرآن

ومن أجمل ما يميز البرنامج أنه يُبث على الهواء مباشرة، ويمنح مساحة واسعة لقراءة متقنة لنخبة من القراء، خاصة الأطفال الذين يجسدون المدرسة المصرية العريقة في التلاوة. هؤلاء القراء لا ينطقون الحروف فقط، بل يجسدون المعاني، فيأخذونك إلى جنان النعيم عند سماع آيات الرحمة، وينقلونك إلى رهبة العذاب عند تلاوة آيات الوعيد، حتى تكاد تعيش تلك المشاهد بكل تفاصيلها.

حالة الانبهار التي يشعر بها المشاهدون ليست مجرد تأثر عابر، بل هي انعكاس لوجه عظيم من وجوه الإعجاز القرآني: إعجاز الاستماع. فالاستماع إلى القرآن هدف شرعي سامٍ، يكفي أن يتحقق ليكون نعمة. والمطلوب أن يسمعه الجميع، مؤمنهم وكافرهم، لأن القرآن إذا وصل إلى القلب هزّه، وإذا لامس الوجدان أضاءه.

 

وقد جاءت الآيات لتؤكد أهمية الاستماع

قال تعالى:
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأعراف: 204]
وعلى النقيض قال عن الكافرين:
﴿ لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ [فصلت: 26]
وهذه المفارقة تُظهر بجلاء أن المشركين أدركوا مبكرًا خطورة تأثير القرآن على النفوس، فحاولوا منع الناس من سماعه بكل وسيلة.

وقد أودع الله في كتابه قوةً لا توجد في أي كلام آخر؛ قوة تنفذ إلى القلب فتحدث لذة وحلاوة، أو رهبة ومهابة. ولهذا قال الخطابي—كما نقل الزركشي—إن القرآن يصنع بالقلوب ما لا يصنعه أي كلام آخر. وحتى القاضي عياض ذكر أن تلاوة القرآن تصيب السامعين بروعة وهيبة، ولا سيما المؤمن الذي ينجذب إليه انجذابًا فطريًا.

ولذلك بذل مشركو مكة كل جهدهم للتشويش على تلاوة النبي ﷺ، فكانوا يصيحون ويصفقون ويأمرون بعضهم بإحداث الضجيج حتى لا يسمع الناس القرآن. وروي أن أبا جهل قال لأتباعه: “إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول”. وهذا دليل على معرفتهم بقوة تأثيره.

وحين ذهب عتبة بن ربيعة إلى النبي ﷺ يعرض عليه إغراءات قريش، استمع لآيات من سورة فصلت، فعاد مذهولًا وقال لقومه: “والله لقد سمعت قولًا ما سمعت مثله قط… وإن لقوله نبأ عظيم”. وقد روي أنه عندما بلغ النبي ﷺ قوله تعالى:
﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾
ارتجف عتبة واهتز قلبه.

وسمع أعرابي ذات يوم قارئًا يتلو: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ فسجد وقال: “سجدت لفصاحته”. وسمع آخر قوله تعالى:
﴿ فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾
فقال: “أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام”.

الإعجاز الصوتي للقرآن… أثرٌ يهزُّ القلوب ويجذب الأرواح

إن ما يقدمه برنامج “دولة التلاوة” من تلاوات حيّة مؤثرة يعيد إحياء هذا الوجه العظيم من الإعجاز القرآني. فهو لا يقدم مجرد أصوات جميلة، بل يمنح الناس فرصة للاستماع الحق، الذي يوقظ الروح ويحرك الوجدان ويقود القلوب نحو نور ربها.
كاتبه المقال:
إيمان سامي عباس

قد يعجبك ايضآ
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.